بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه ومن تبعه باحسان الى يوم الدين اما بعد قال الله تعالى وما من دابة في الارض الا على الله رزقها
ويعلم مستقرها ومستودعها. كل في كتاب مبين وما من مخلوق يدب على وجه الارض مهما كان الا تكفل الله برزقه تفضلا منهم ويعلم سبحانه موضع استقراره في الارض ويعلم موضع موته الذي يموت فيه
فكل من الدواب ورزقها ومواضع استقرارها ومواضع موتها في كتاب واضح هو اللوح المحفوظ طبعا لا شك ان هذا التفسير هو تفسير قيم المختصر في التفسير لكن هنا عبارة يدب على وجه الارض
فهذه الاية الكريمة تشمل ما يدب على وجه الارض وما يدب في باطن الارض وهذه اية عظيمة والانسان يخضع لربه ومولاه فربنا جل جلاله يبين انهما من حي يدب على
الارض او في داخل الارض فغذاؤه ومعاشه هو من عند الله تعالى. تفضلا ومنا وكرما وربنا جل جلاله يرزق هذه المخلوقات ويعلم مكان استقرار كل دابة ويعلم الموضع الذي تموت فيه
كل ذلك مكتوب في كتاب عند الله مبينا عن جميع ذلك هذا الكتاب لمن يقرأه فيه بيان هذه الامور وما من دابة في الارض ما قال على الارض قال في الارض حتى يشفي الجميع الا على الله رزقها ويعلم مستقرها اي
الذي تأوي اليه ليلا او نهارا ولذلك اصله مادة قرر يدل على تمكن ومستودعها اي الموضع الذي يودعها اما بموته فيه او دفنها واصل ودع يدل على ترك وتخلية وربنا جل جلاله
لما ذكر في الاية الاولى انه يعلم ما يسرون وما يعلنون اردفه بما يدل على كونه عالما بجميع المعلومات فبين ان رزق كل حيوان انما يصل اليه من الله تعالى
فلو لم يكن عالما بجميع المعلومات لما حصلت هذه المهمات ليعلم ويرزق سبحانه وتعالى. وانت حينما تقرأ وبابا من دابة في الارض الا على الله رزقها والانسان يندهش في هذا الامر ثم ليس فقط هذا ويعلم مستقرها ومستودعها
فيزداد الانسان خضوعا وذلا لله تعالى  وايضا فيما يتعلق بمناسبة هذه الاية الكريمة ما قاله الطبري قال هذا اخبار من الله جل ثناؤه الذين كانوا يثنون صدورهم ليستفوا منه انه قد علم الاشياء كلها
واثبتها في كتاب عندهم قبل ان يخلقها وقبل ان قبل ان يخلقها ويوجدها يقول لهم تعالى ذكره فمن كان قد علم ذلك منهم قبل ان يوجدهم فكيف يخفى عليه ما تنطوي عليه نفوسهم
اذا ثنوا به صدورهم واستغشوا عليه ثيابهم  وتأمل هذه الاية الكريمة وهذا الوصف فيما يتعلق بالمخلوقات وما من دابة. فالدابة كل ذي حياة يدب وفي الارض من اكبر حيوان يدب فيها الى اصغر حيوان. حتى الفيروسات وما هو اصغر منها
وتأمل هذا الحيوان الصغير كورونا كيف ان الله سبحانه وتعالى قد قهر به الناس جميعا وما من دابة في الارض الا على الله رزقها. رزقها اي طعامها وغذاؤها الذي به تقوم حياتها. اي ومن دابة تدب
على الارض وفي الارض من ادمي وحيوان بري او بحري او طائر او زاحف او كبير او صغير  الا وقد تكفل الله بقوتها وبغذائها وربنا قال وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها واياكم وهو السميع العليم
ولذلك ارزاق الناس بعضها يكون بكسب وبعضها بغير كسب. فربنا جل جلاله يرزق الجميع ويعلم مستقرها ومستودعها. اي ويعلم الله مأوى كل دابة في الليل وكذلك يعلم مأوى كل دابة في النهار. ويعلم الموضع الذي تموت فيه. والموضع الذي تدفن فيه او تترك فيه. طبعا
يقبر ثم اماته فاقبره وربنا قال الم نجعل الارض كفاة احياء وامواتا لكن بقية الحيوان لا يكون لا هدف كما يحصل للانسان ولذلك من تكريم الانسان انه يدفن  كل في كتاب مبين. كل هذه التنوين تسمى يعني تنوين العوظ. اي كل الدواب
مثبت تفاصيل احوالها في ارزاقها في مستقرها في مستودعها في تنقلها نحن لما جئنا الى هذه البلاد مهجرين سكنا في مكان صغير ثم سكيت سكنا في بيت اكبر ثم سكنا الان في بيت اكبر بحمد الله تعالى
والمكتبة التي فيها الكتب استأجرنا لها مكانا خاصا وهكذا. فربنا جل جلاله يعلم ايضا اختلاف احوال الانسان ففي سورة الانعام اية عظيمة فيما يتعلق بعلم الله تعالى بالكليات والجزئيات قال وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو
ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا الا في كتاب مبين اذا هذا الكتاب يقرأه يبين له المقروء وربنا جل جلاله يرحم ملائكته فيما كتبه في اللوح المحفوظ
يقول الشافعي علينا وعليه رحمة الله في تفسير هذه الاية قال واعلموا ان الرزق عند بعض اصحابنا ما جعله الله قواما لبدن الناس وسائر الحيوانات مما يتغدى به ويتنفس ويكون سببا لحياتهم
يقول ومن اصحابنا من قال ان الرزق ما يمكن الانتفاع به وكل ما ينتفع به فهو رزقه من غذائه وغيره. وهذا المعنى اعم من الاول وهكذا شرح الامام الشافعي ما يتعلق بتعريف الرزق وهذا من دقة الشافعي فسجد عند الشافعي من الامور العظيمة
اذن كل في كتاب مبين وربنا جل جلاله يعلم عدد كل دابة ويعلم مبلغ ارزاقها وقدر قرارها في مستقرها ومدة لبسها في مستودعها كل ذلك في كتاب عند الله مثبت مكتوب مبين
يبين لمن قرأه ان ذلك مثبت مكتوب قبل ان يخلقها وقبل ان يوجدها وربنا انما اثبت مع انه عالم يعني لا يعزب عنه شيء لماذا لما فيه من اللطف بالملائكة
وايضا لما فيه من الطفل بل اخبر بذلك. كل في كتاب المضاف اليه محدود كل دابة ورزقها ومستقرها ومستودعها في كتاب مبين وهذا من رحمة الله تعالى يقول ابن عاشور وتقديم على الله
قبل متعلقه وهو رزقها لافادة القصر اي على الله لا على غيره ولافادة التركيب على الله رزقها. معنى ان الله تكفل برزقها ولم يحملهم لان على تدل على اللزوم والحقوقية
ومعلوم ان الله لا يلزمه احد شيئا فما افاد معنى اللزوم فانما هو التزامه بنفسه بمقتضى صفاته قضي ذلك كما اشار اليه قوله وعدا علينا. او قوله حقا علينا اذا هذا من رحمة الله تعالى بعباده
نعم طبعا هنا المبين اسم فاعل ابانا بمعنى اظهر نعم وربنا جل جلاله يطلع من يشاء من ملائكته على هذا الكتاب. نعم ثم قال الله تعالى وهو الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ايكم احسن عملا
ولئن قلت انكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا ان هذا الا سحر مبين وهو سبحانه الذي خلق السماوات والارض على عظمها وخلق ما فيهما في ستة ايام وكان عرشه قبل خلقهما عدا الماء
ليختبركم ايها الناس ايكم احسن عملا مما يرضي الله وايكم اسوأ عملا مما يسخطه فيجازي كلا بما يستحقه ولئن قلت ايها الرسل انكم ايها الناس مبعوثون بعد موتكم لتحاسبوا ليقولن الذين كفروا بالله وانكروا البعث ما هذا القرآن الذي تتلوه الا سحر واضح فهو باطل واضح البطلان
اذا هذه الاية العظيمة قد جاءت بعد الاية السابقة وربنا جل جلاله لما اثبت بالدليل المتقدم كونه عالما بالمعلومات اثبت بهذا الدليل كونه تعالى قادر على كل المقدورات وربنا جل جلاله
يعني لما كان خلق ما منه الرزق اعظم من خلق الرزق وتوزيعه في شمول العلم والقدرة معا تلاه بقوله تعالى وهو الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ايكم احسن عملا
بمعنى لما دلل بقدرته على علمه ورزقه دلل بما هو عظيم ايضا وهو الخلق فهذا الخلق العظيم يدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى فقالوا هو الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام. اي هو الله الذي خلق السماوات السبع
والاراضين السبع في ستة ايام وكان عرشه على الماء اي وكان عرشه وكان عرش الله تعالى على الماء قبل ان يخلق السماوات والارض ولذا جاء في صحيح الامام البخاري عن عمران ابن حصين رضي الله عنهما قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم
قلت ناقتي بالباب فاتاه ناس من بني تميم فقال اقبل البشرى يا بني تميم قال وقد بشرتنا فاعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من اهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا اهل اليمن
اذ لم يقبلها بنو تميم قالوا قد قبلنا يا رسول الله. قالوا جئنا نسألك عن هذا الامر. قال كان الله ولم يكن شيء غيره. وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السماوات والارض
طبعا هذا المعنى فيه معنى ان الانسان لم يكن موجود وسورة الانسان تذكر تاريخ الانسان انه لم يكن موجودا بل ليس له ذكر ثم صار له ذكر حينما ذكره الله تعالى للملائكة
اني جاعل في الارض خليفة ثم خلق الانسان ففي هذه الاية الكريمة بيان تأريخ ما قبل الانسان وهو انها لم تكن السماوات ولم تكن الاراضين فخلق الله السماء وخلق الارض وخلق ما فيهما
وخلق الله الانسان امتحانا واختبارا فالانسان لا بد ان يعرف هذه الامور حتى يعرف الحكمة التي لاجلها قد خلق قال ليبلوكم ايكم احسن عملا وهذا امر في غاية الاهمية ليبلوكم ايتم احسن عملا يقول فضيل ابن عياض اخلصه واصوبه
والخالص ان يكون لله والصواب ان يكون على السنة وهما اصلان عظيمان احدهما ان لا نعبد الا الله والثاني ان لا نعبده الا بما شرع لا نعبده بعبادة مبتدعة وهذان الاصلان هما تحقيق شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله
والحافظ ابن كثير له كلام في هذا جليل جدا يقول ليبلوكم اي ليختبركم ايكم احسن عملا؟ يقول ابن كثير ولم يقل اكثر عملا بل احسن عملا ولا يكون العمل حسنا حتى يكون خالصا لله
على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمتى فقد العمل واحدا من هذين الشرطين حبط وبطل. هكذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره. وهذا يدلك على ما يتعلق بامر العمل. اذا ليبلوكم ايكم احسن عملا. اي خلق الله السماوات والارض
وخلقكم ايها الناس ليختبركم فينظر ايكم احسن طاعة لله بالاخلاص له واتباع شريعته وربنا جاء وربنا جل جلاله قال انا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم ايهم احسن  وددت من الانسان حينما تحركه شهوته الى المحرم ان يستذكر هذه الاية
ان الله حينما غرز فينا ما غرز فهذا اختبار الامتحان لنبلوهم ايهم احسن عملا ومن احسن العمل ان يترك الانسان المحرم وان يدع الانسان شهوته التي يريدها حبا فيما عند الله تعالى
ثم قال الله تعالى ولئن قلت انكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا ان هذا الا سحر مبين. طبعا العالم العراقي فاضل السامرائي عنده فراسي هنا ليقولن الذين كفروا
فيما يتعلق بالفتحة على اللام وكذلك ستأتي يعني يأتي هذا الفعل مع المفرد بخلاف ذلك. يقول في الاية الاولى في سورة هود الفعل يبنى على الفتح لان نون التوكيد باشرت الفعل المضارع
لانه مسند الى اسم ظاهر الذين كفروا والفعل يفرد مع الفاعل وهذه قاعدة اذا كان الفاعل ظاهرا فنأتي بالفعل في حالة الافراد ويبنى على الفتح لان نور التوكيد باشرته كما في قوله واذا جاءك الذين كفروا. ولا نقول جاءوك الذين كفروا
نعم  ثم قالوا في الاية الثانية فالفعل مسند الى باب الجماعة ولم ولم تباشره نون التوكيد واصل الفعل اذا حذفنا نون التوحيد يقولون والاية ثمانية سورة هود ولئن اخرنا عنهم العذاب الى امة معدودة ليقولن ليقولن ما يحبسه. الا يوم يأتيهم
ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. اذا معرفة النحو امر مهم جدا حتى يحسن الانسان فهم القرآن وتأمل هذه الاية الكريمة فيما يتعلق بمناسبتها. فلما كان الابتلاء يتضمن
حديث البعث اتبع ذلك بذكره هذا امر. الامر الاخر مرة في اول السور ان نبينا صلى الله عليه وسلم نذير الف لام راء كتابت اياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير
الا تعبدوا الا الله انني لكم منه نذير وبشير فمن النذارة انه انذرهم عذاب الله تعالى في الحياة لمن عصاه فيما بعد الممات ولذلك في الحديث عن البعث بعد الموت هو من الامور المهمة
ولذلك فان الايمان باليوم الاخر يحرك الانسان عن العمل ولئن قلت انك مبعوثون من بعد الموت. ليقولن الذين كفروا ان هذا الا سحر مبين. ولذلك الدعاة عليهم ان يذكروا الناس
بالموت وماذا بعد الموت حتى يعمل الانسان ولذلك بعظ الناس الموت لا يخيفه انما يخيفه ما بعد الموت ولئن قلت انكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا ان هذا الا سحر مبين. اي ولئن قلت يا محمد
للمشركين ان الله سيبعثكم يوم القيامة احياء بعد موتكم فتلوت عليهم القرآن بذلك ليقولن تكذيبا وعنادا ما هذا القرآن الذي تتلوه علينا الا سحر واضح يظهر لمن يستمعه انه سحر
ولذلك تجد هؤلاء اصحاب الكبر والعتور دائما يردون ايات الله سبحانه وتعالى ولذلك الانسان لما يمره الرد وعدم الاستجابة عليه بالصبر وعليه ان يعلم انه يجب عليه ان يبلغ النتائج ايها الاخوة لسنا مطالبين بها. انما نحن علينا ان نؤدي
التي امرنا بها. اما النتائج فهذه بيد الله سبحانه وتعالى وكل شيء بيد الله المهم ان الانسان يؤدي الواجب الذي عليه ثم قال تعالى ولئن اخرنا عنهم العذاب الى امة معدودة ليقولن ما يحبسه
الا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ولئن اخرنا عن المشركين ما يستحقون من العذاب في الحياة الدنيا الى مدة ايام معدودة ليقولن مستعجلين لهم مستهزئين اي شيء يحبس عنا العذاب
الا ان العذاب الذي يستحقونه له امد عند الله ويوم يأتيهم لن يجدوا صارفا يصرفه عنهم بل يقع عليهم واحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه استهزاء وسخرية اذا هذه الاية العظيمة ولئن اخرنا عنهم العذاب الى امة معدودة
الامة الحين والزمن الى امة معدودة ليقولن اذا هنا ما اضيف الفعل الى فعل الى اسم ظاهر كما في الاية السابقة ما يحبسه اي اي شيء يمنعه ويؤخره وهذا طبعا قول يقصدون به الاستهزاء فهو من قبيل الاستفهام الذي خرج عن اصل دلالته الى ارادة الاستهزاء به
والمستهزء به هو الوعد الانذاري بانزال العذاب. اذا الوعيد الذي توعدهم الله تعالى به على لسان رسوله النذير اليهم ولذلك مناسبة هذه الاية لما قبلها ان في ثلثيهما وصف فن من افانين عناد المشركين
وتهكمهم بالدعوة الى الله تعالى لانه اذا اخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالبعث وان شركهم سبب لعذابهم جعلوا كلامه سحرا. واذا انذرهم بعقوبة العذاب على الاشراك استعجلوه فاذا تأخر عنه الى اجل اقتضته الحكمة الربانية استفهموا عن سبب حبسه
عنهم استفهام استهزاء وتهكم ظنا ان تأخره عجز وربنا جل جلاله لا يعجزه شيء لكن الله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة فقال ولئن اخرنا عنهم العذاب الى امة معدودة ليقولن ما يحبسه
اي ولئن اخرنا عن هؤلاء المشركين يا محمد العذاب الى مدة معلومة فلم نعجله لهم ليقولن تكذيبا واستهزاء اي شيء يحبس عنا نزول العذاب ربنا اجاب قال الا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم
اي الا يوم يأتيهم ذلك العذاب الذي كذبوا به لا يرده شيء فلا يصرفه عنهم صارف ولا يدفعه عنهم دافع وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون اي ونزل بالمشركين واحاط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به ويستعجلونه
ثم قال ربنا ولئن ادغنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه انه ليؤوس كفور ولئن اعطينا الانسان منا نعمة في نعمة الصحة والغنى ثم سلبنا منه تلك النعمة انه لكثير اليأس من رحمة الله عظيم الكفران
نعم ينساها اذا سلبها الله منه وهذه الاية في سياقتها لها مناسبتان. اولا ان هذا وما بعده بيان لحال الانسان في اختبار الله له في قوله ليبلوكم ايكم احسن عملا
ثانيا ان هذه الاية عطف على جملة ولئن اخرنا عنهم العذاب الى امة معدودة فانه لما ذكر تعالى عن المشركين ان ما هم فيه متاع الى اجل معلوم عنده وانهم قد بطروا نعمة التمتيع
فسخروا بتأخير العذاب فبينت هذه الاية الكريمة ان اهل الضلال راسخون في ذلك لانهم لا يفكرون في غير اللذات الدنيوية والمتع الحياتية فتجري انفعالاتهم على حسب ذلك دون رجاء لتغيير الحال
ولا يتفكرون في اسباب النعيم والبؤس وتصرفات خالق الناس ومقدر احوالهم. ولا يتعظون بتقلبات احوال الامم فشأن اهل الضلالة انهم انحلت بهم الظراء بعد النعماء ملكهم اليأس من الخيل ونسوا النعمة فجاهدوها وكفروا منعمها فان تأخير العذاب رحمة واتيان العذاب نزع لتلك
الرحمة وربنا جل جلاله له الحكمة البالغة في ذلك  فقال تعالى ولئن ادقنا الانسان منا رحمة حتى شف منا رحمة حتى تعلم انه لا يأتيك شيء الا هو من رحمة الله تعالى
ولم يروا الى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن الا الرحمن فلا يتحرك شيء في هذه الحياة الا برحمة من عند الله تعالى. قال ولئن ادقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها
امنه انه ليؤوس كفر اي عظيم اليأس واليأس وانقطاع الامل والطمع في المطلوب السار الممتع فيؤوس صيغة مبالغة لاسم الفاعل يائس اي ولئن اعطينا الانسان منا نعمة كالعافية وسعة الرزق
وطيب العيش فوجد لذتها ثم سلبناها منه لانه دوام الحال من المحال. فهذه النعم التي عندك اما ان تسلب منك في حياتك. واما انك تنزع منها ابدا والذي يدوم له الحال هو الله سبحانه وتعالى
الانسان لما يحصل له هذا يظل شديد اليأس من حصود الخير له في المستقبل جحودا نعم الله عليك قليل الشكر لربك. اما المؤمن الذي تربى على الايمان فان اموره تختلف
وانه يتقرب الى الله تعالى في السراء وفي الظراء ونحو هذه الاية فيما يتعلق بامور الناس قال وان تصبهم سيئة بما قدمت ايديهم. اذا هم يقنطون وربنا قال وان تصبهم سيئة بما قدمت ايديهم فان الانسان كفور. والكفور صيغة مبالغة
اذا ربنا قال ولئن اذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني انه فرح فخور هذا حال الانسان في تقلب الاحوال ولا ان اذقناه سعة في الرزق وصحة بعد فقر ومرض
وصحة بعد فقر ومرض اصابه ليقولن ذهب السوء عني وزال الضر ولم يشكر الله على ذلك انه لكثير الفرح بطلا وكثير التطاول على الناس والتباهي بما انعم الله عليه طبعا هذه الاية الكريمة لها مناسبة
وان هذه الاية تتميم للتي قبلها لانها حكت حالة ضد الحالة التي في التي قبلها ولئن اذقناه نعماء والنعماء اللي هي السعة مما يمتع به الانسان. وتتمتع به النفوس ويسرها
ويجد فيها الانسان اللذة نعم وجمع النعماء انعم ولئن اذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني انه لفرح فخور والفخور هو البطل المستكبر المتبختر المتعالي على الناس. اذا هذه الاية العظيمة تبين حال الانسان في الوجه الاخر
اي ولإن ادقنا الانسان نعمة بعد ضيق كان فيه ليقول ليقولن جرأة على الله وجهلا بانعام الله. ذهب الضيق والشدة والمكروه عني ولن يصيبني بعد ذلك سوء وربنا قال لا يسأم الانسان من دعاء الخير وان مسه الشر فيؤوس قنوط
ولئن اذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما اظن الساعة قائما ولئن رجعت الى ربي ان لي عنده للحسنى ثم انتبه اخي الكريم كيف ختمت هذه الاية الكريمة بقوله انه لفرح فخور
وهنا لفرح طب هذي جملة اسمية ومؤكدة بان وآآ انها جملة اسمية باللام هي اللام المزحلقة لفرح والفرح واقع شدة الفرح فخور اي انه لشديد الفرح بنعم الله عليه فخور على غيره بها
ولا يشكر الله عليها وينسى تقلبات احوال الدنيا ونكدها وينسى طلب النعيم الباقي والسرور الدائم في الدار الاخرة وربنا قال واذا ادقنا الناس رحمة فرحوا بها وربنا قال وانا اذا ادقنا الانسان منا رحمة فرح بها
وتأمل ربنا جل جلاله قال الا الذين صبروا وعملوا الصالحات اولئك لهم مغفرة واجر كبير الا الذين صبروا على المكاره والطاعات وعن المعاصي وعملوا الاعمال الصالحات فلهم حال اخر حيث لا يصيبهم يأس
ولا كفر بنعم الله ولا تطاول على الناس. اولئك المتصفون بهذه الصفات لهم مغفرة من ربهم لذنوبهم ولهم جزاء كبير في الاخرة وتأمل الاستثناء الا الذين صبروا اي الا الذين صبروا عند الظراء وعند نزول الشدائد والمكاره
ومع الصبر عمل عملوا الصالحات في السراء وحيول الرخاء والعافية. شكرا لله على نعمائه اولئك لهم مغفرة من الله لذنوبهم ولهم اجر عظيم ولذلك لو تتأملون ماذا صنع الامام البخاري في صحيحه في هذا
بوب البخاري قال بسم الله الرحمن الرحيم كتاب المرظى وقول الله تعالى من يعمل سوءا يجزى به. ثم ساق باسناده من حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما من مصيبة تصيب المسلم الا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها ثم ساق من حديث ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا اذى ولا غم
حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها من خطاياه. فتأمل اخي الكريم كتاب المرضى باب ما جاء في كفارة المرض وقول الله من يعمل سوءا يجزى به ثم ساق البخاري بسنده هذين الحديثين. اذا ابتدأ الامام البخاري رحمه الله كتاب المرظى بهذه الاية ليبين
ان ما يصيب العبد من المصائب في الحياة الدنيا سواء كانت هذه المصيبة مرض او غير مرض فانها بسبب ما اقترفه من الذنوب والمعاصي وذلك ليرحمه بها فيكفر عنه هذه الذنوب
كما دلت على ذلك الاحاديث التي ساقها الامام البخاري ثانيا وتأمل هذه القوة في تفسير القرآن من الامام البخاري رحمه الله تعالى ثانيا ان تكفير الذنوب لا يختص بما يصيب صاحبها من المرض البدني فقط
فليستمر ذلك على المرض النفسي ايضا فما يصيب المؤمن من الهم والحزن فهو تكفير لذنوبه ايضا ثالثا ان اجر المصيبة وتكفير الذنوب بسببها يزداد كلما زاد صبر العبد. لذا ينبغي على المؤمن ان يقوي يقينه بربه
فقوة اليقين هو الدافع الاول الى الصبر رابعا من رحمة الله بالمؤمنين انه لا يجمع لهم بين عذابين بل يجعل عذاب الدنيا سببا موصلا له الى نعيم الاخرة فهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى فينبغي على الانسان
ان يصبر وان يحتسب وفي هذه الاية الكريمة حث بليغ على الصبر. قال الا الذين صبروا وعملوا الصالحات اولئك لهم مغفرة واجر كبير. اذا الاجر الكبير من الله سبحانه وتعالى لاولئك الذين صبروا
صبروا على الطاعات فاتوها وصبروا على المعاصي فلم يأتوها وصبروا على الاقدار التي قدرها الله تعالى عليهم فالاقدار المؤلمة لابد ان يصبر الانسان اما ذاك الذي ينزعج وينفعل فهذا لم يسبق
وعلى الانسان ان يروض نفسه على الصبر وعلى الحلم يحلم على زوجه على ولده على جاره على الذين يتعامل معهم وسوف يأتي في اخر في اخر هذه السورة الكريمة واصبر فان الله لا يضيع اجر المحسنين
اذا هذا الصبر هو من الاحسان لان الانسان في حالة احسان في عبادته ربه حينما يحتسب الاجر عند الله تعالى ثم قال تعالى فلعلك تارك بعض ما يوحى اليك وضائق به صدرك ان يقولوا لولا انزل عليه كنز
او جاء معه ملك انما انت نذير والله على كل شيء وكيل فلعلك ايها الرسول لما واجهته من كفرهم وعنادهم واقتراحهم الايات تارك تبليغ بعض ما امرك الله بتبليغه مما يشق عليهم العمل به
وضائق صدرك بتبليغه لئلا يقول هلا انزل عليه كنز يغنيه او جاء معه ملك يصدقه فلا تترك بعض ما يوحى اليك من اجل ذلك فما انت الا نذير تبلغ ما امرك الله بتبليغه وليس عليك الاتيان بما يقترحونه من الايات والله على كل شيء حكيم
اذا يخاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم قائلا له فلعلك ايها الرسول تارك بعظ ما يوحى اليك مما انزله الله عليك وامرك بتبليغه وضائق به صدرك خشية ان يطلبوا منك بعض المطالب على وجه التعنت
اي نعم لولا انزل عليه مال كثير او جاء معه ملك يصدقه في رسالته. فبلغهم ما اوحيته اليك فانه ليس عليك الا الانذار بما اوحي اليك. والله على كل شيء حفيظ
يدبر جميع شئون خلقه ولذلك الانسان لا يترك شيئا من الوحي لا نترك شيئا من كتاب الله ولا نترك شيئا من صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلينا ان نبلغ هذا الدين
وان نبينه للناس كما انزله الله تعالى من غير تهليل من غير تحريف ولذلك الذين يبدلون الان الذين يبدلون ويغيرون طلبا للمال هو ارظاعا لاسيادهم هؤلاء لا يفلحون انما يفلح الذي يتمسك بالكتاب
لان التمسك بالكتاب والاعتصام بالكتاب هو النجاة  فلعلك تارك بعض ما يوحى اليك وضائق به صدرك ان يقولوا لولا انزل عليه كنز او جاء معه ملك وايضا الانسان يصبر ويحتسب
ليس لعلك يا محمد اللهم صلي وسلم وبارك على نبينا محمد تارك تبليغ قومك بعض ما بعض ما اوحي اليك من الوحي المتلو والوحي غير المتلوق وضائق صدرك بما امرك الله ان تبلغهم كراهة ان يقول المشركون لولا انزل الله عليه كنزا او جاء معه ملك
لنؤمن بانه رسول الله فاصبر على تكذيبهم واستمر في دعوتهم يقول الشوكاني هذا الكلام خارج المخرج الاستفهام. اي هل انت تارك وقيل هو في معنى النفي مع الاستبعاد اي لا يكون منك ذلك
بل تبلغهم جميع ما انزل الله عليك احب ام لم يحبه احب ذلك ان تلهوه شاءوا ام اظن والايات في هذا المعنى كثيرة جدا انما انت نذير اي انما انت يا محمد نذير لقومك تنذرهم عقابي
وليس عليك ان تأتيهم بما يقترحون من الايات فنبينا نذير ونبينا صلى الله عليه وسلم بشير وينبغي على كل انسان ان يكون نذيرا للناس اجمعين ومبشرا للمؤمنين ثم قال تعالى والله على كل شيء وكيل
اي والله على كل شيء قيم بيده تدبير الامور وهو حافظ يحفظ اعمال عباده ويجازيهم بها وربنا قال الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل. فربنا جل جلاله هو الوكيل على كل شيء
من فوائد الايات كما في المختصر في التفسير نقرأه به الان يقول سعة علم الله تعالى وتكفله بارزاق مخلوقاته. من انسان وحيوان وغيرهما بيان علة الخلق طبعا لو اخترنا عبارة بيادو حكمة الخلق لك انت افضل
وهي اختيار العباد وهي اختبار العباد بامتثال اوامر الله واجتناب نواهيه لا ينبغي الاغترار بامهال الله تعالى لاهل معصيته فانه قد يأخذهم فجأة وهم لا يشعرون بيان حال الانسان في حالتي السعة والشدة ومدح موقف المؤمن المتمثل
بالصبر والشكر اذا هذه اربعة فوائد ذكرها الاخوة في مركز تفسير جزاهم الله خير الجزاء وبالامكان ان نضيف على ذلك عشرة فوائد. اولا على العبد ان يعبد ربه ويتوكل عليه
ويسعى لطلب الرزق وكل ميسر لما خلق له وعلى المرء ان لا يحمله استبطاء رزق ان يطلبه بالمعصية ثانيا على العبد ان يعلم انه مخلوق لاجل الاختبار والابتلاء وان من لم ينجح
في امتحان رب العالمين فانه يجر الى نار جهنم ثالثا غرس في قلوب الرجال محبة في الارض التي منها خلقوا وهم يقتتلون عليها ويتنافسوها وقد اثبتت الايات ان من حكمة خلق الارض
صدور الاعمال الفاضلة من اشرف المخلوقات فيها وذلك يقتضي الجزاء والحساب والقصاص وهذا اكمال للحكمة التي خلقوا من اجلها اذا خلقوا لاجل العلم بالله تعالى ولاجل العمل وخلقوا امتحانا واختبارا
رابعا ان الله خالق السماوات والارضين ليبتلي عباده بامره ونهيه وهذا من الحق الذي خلق به خلقه. قال تعالى ايحسب الانسان ان يترك سدى يقول الشافعي ايحسب الانسان ان يترك من غير امر ونهي
خامسا احوال الدنيا غير باقية. بل هي متغيرة بالزوال والتحول والانتقال لان الانسان اما ان يتحول من النعمة الى المحنة ومن اللذات الى الافات. واما بالعكس من ذلك فدوام الحال من المحال وربنا يداول الايام بين الناس اختبارا وامتحانا
ولاجل ان يعلم الانسان انه يحور الى ربه ولذلك لما يبلغ الانسان اربعين عام يبدأ البصر يضعف وبدأ الانسان يبدأ يضعف شيئا فشيئا حتى يعلم الانسان انه يحور الى ربه. فليس بعد التمام الا النقص
سادسا الحسنة احسان وامتحان والسيئة مجازاة وانتقام فالنعم صادرة من الله تفضلا واما غير ذلك فالسبب هو العبد باجتلابه المعاصي كما مر معنا في تبويب البخاري كتاب المرظى باب ما جاء في كفارة المرض. وقول الله تعالى من يعمل سوءا يجزى به
سابعا شدة تعلق الانسان بالدنيا ومتاعها وحرصه عليها يؤخذ من قوله نزعناها اما التعبير باذقنا فذلك لما تشعر من ادراك امر محبوب لان المرء لا يذوق الا ما يشتهيه ثامنا
النعم التي بين ايدينا عوار وهبات مستردة يؤخذ هذا من قوله منا رحمة فقدم الصلة دليلا على العارية ان هذه عارية وان الانسان سيقدم الى ربه من غير شيء يحشر الناس حفاة عراة غرلا
فربنا قال ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم تاسعا غرور كثيرا من الناس واعجابهم بانفسهم يؤخذ من قوله ليقولن فهو يتبجح ويتفاخر فالخبر في قوله ذهب السيئات عني مستعمل في الازدراء والاعجاب وكل واحد من هؤلاء يرى ان تذهب عنه السيئات قرورا منه
بنفسه عاشرا في قوله ثم نزعناها منه. اي سلبناها منه. لان حكمة الله تقتضي ذلك فالانسان اما ان تسلب منه النعمة في حياته واما ان ينزع منها وفي هذا الزمان كثر اصحاب العقوق
الذين يرفعون دعاوى حجر على امهاتهم او ابائهم لاجل ان يتنعموا بحطام الدنيا الفاني وهذا من اكبر العقوق هذا من اكبر العقوق نسأل الله تعالى العافية هذا وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
