بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين. وبعد فقال ابن القيم الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه الفوائد
الطريق الى الله خال من اهل الشك ومن الذين يتبعون الشهوات وهو معمور باهل اليقين والصبر وهم على الطريق كالاعلام وجعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا باياتنا يوقنون
ثم قال رحمه الله قاعدة لشهادة ان لا اله الا الله عند الموت تأثير عظيم في تكفير السيئات واحباطها لانها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها قد ماتت منه الشهوات
ولانت نفسه المتمردة وانقادت بعد ابائها واستعصائها واقبلت بعد اعراضها وذلت بعد عزها وخرج منها حرصها على الدنيا وفضولها واستخذت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق اذل ما كانت له وارجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته
وتجرد منها التوحيد بانقطاع اسباب الشرك وتحقق بطلانه ما زالت منها تلك المنازعات التي كانت مشغولة بها واجتمع همها على من ايقنت بالقدوم عليه والمصير اليه فوجه العبد وجهه بكليته اليه
واقبل بقلبه وروحه وهمه عليه فاستسلم له وحده ظاهرا وباطنا  فاستسلم له وحده ظاهرا وباطنا واستوى سره وعلانيته. فقال لا اله الا الله مخلصا من قلبه وقد تخلص قلبه من التعلق بغيره والالتفات الى ما سواه
قد خرجت الدنيا كلها من قلبه وشارف القدوم على ربه وخمدت نيران شهوته وامتلأ قلبه من الاخرة فصارت نصب عينيه وصارت الدنيا وراء ظهره فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله
فطهرته من ذنوبه وادخلته وادخلته على ربه لانه لقي ربه بشهادة صادقة خالصة وافق ظاهرها باطنها وسرها علانيتها فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه في ايام الصحة لاستوحش من الدنيا واهلها
وفر الى الله من الناس وانس به دون ما سواه لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الدنيا واسبابها ونفس مملوءة بطلب الحظوظ والالتفات الى غير الله فلو تجردت كتجردها عند الموت لكان لها نبأ اخر
وعيش اخر سوى عيشها البهيمي. والله المستعان الحمد لله رب العالمين واصلي واسلم على نبينا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين اما بعد يقول رحمه الله الطريق الى الله خال من اهل الشك ومن الذين يتبعون الشهوات
والمقصود باهل الشك هم اهل الريب الذين لم يثبت الايمان في قلوبهم بان وردت عليهم الشكوك فاستسلموا لها وليس المقصود بالشك ما يمكن ان يقذفه الشيطان من الوساوس يدافعها الانسان
آآ ينأى عنه ويضيق به فان هذا من صريح الايمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما شكى له الصحابة ما يجدون قال وقد وجدتموه؟ قالوا نعم. قال فذلك صلح الايمان. اي مدافعة هذه الوساوس والشكوك
الهواجس التي يلقيها الشيطان والمقصود بالشك الريب الذي يعمر القلب ويستولي عليه فلا يوقن واصدق بما اخبرت به الرسل واما الامر الثاني في قوله ومن الذين يتبعون الشهوات المقصود به الذين
اطلقوا لانفسهم العنان في اخذ ما يحبون ويشتهون فاتبعوا اهواءهم وليس المقصود بذلك من وقع في شيء من الخطأ فتاب منه فان التوبة تهدم ما كان قبلها. قال وهو معمور
باهل اليقين والصبر اي الطريق الى الله لا يسلكه الا الموقنون الصابرون وهم على الطريق كالاعلام اي الجبال التي يستدل بها او النجوم التي يهتدى بها. قال الله تعالى وجعلنا منهم ائمة
وقوله ائمة جمع امام وهو من يقتدى به و يتبع اثره وجعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا باياتنا يوقنون من جمع الله له هاتين الخصلتين وفق الى الامامة في الدين
فالامامة في الدين تنال بالصبر واليقين بالصبر على طاعة الله وبالصبر عن معصية الله وبالصبر على الاقدار المؤلمة المكروهة واليقين هو رسوخ الايمان وثبات العلم بصدق الوحي في الكتاب والسنة
ثم بعد ذلك انتقل الى قاعدة بين فيها فضل لا اله الا الله عند الموت وقد جاءت الادلة بالندب الى هذه الكلمة في سياق الموت فقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث معاذ من كان اخر كلامه من الدنيا لا اله الا الله
دخل الجنة  قريب منه في المعنى ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عثمان انه قال صلى الله عليه وسلم من مات وهو يعلم انه لا اله الا الله دخل الجنة يعني
يعلم بقلبه موقنا بهذا المعنى ولو لم يتلفظ به لكنه استحضر ذلك عند موته  يكمل هذا بالنطق واظهار هذا العلم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لقنوا موتاكم لا اله الا الله كما في الصحيح
وقد بين رحمه الله تأثير هذه الكلمة عند الموت وسبب هذا التأثير. اما تأثيرها فيقول تأثير عظيم في تكفير السيئات واحباطها ولذلك قال من كان اخر كلام من الدنيا لا اله الا الله دخل الجنة وقال من مات وهو يعلم ان لا اله انه لا اله الا الله
دخل الجنة وذلك لا يكون الا بالتطهير من الخطايا والسيئات. فلا اله الا الله يمحو الله بها الخطايا والسيئات اذا كانت صادقة من القلب  ويحصل بها نجاة العبد من كل ما
كربة بلاء ومصيبة وسبب تأثير هذه الكلمة بهذا التأثير العظيم عند الموت انها شهادة من عبد موقن بها اي بمعناها عارف بمظمونها يمكن ان يقول قائل ان هذا المعنى موجود فيما اذا قالها الانسان في حال السعة
لكن ثمة ما يشوش على ذلك وما يميز قولها حال الوفاة وهو قوله قد ماتت منه الشهوات ولانت نفسه المتمردة وانقادت بعد ابائها واستعصائها واقبلت بعد اعراضها وذلت بعد عزها
وخرج منها حرصها على الدنيا وفظولها الى اخر ما ذكر رحمه الله من ميزات قول هذه الكلمة في هذه الحال فان قولها في هذه الحال يستصحب هذه المعاني التي تجعل لهذه الكلمة من الاثر
ما ليس لها في غير هذه ما ليس لها في غير هذه الحال ولذلك قال فلو تجردت اي هذه الكلمة كتجردها عند الموت لكان لها نبأ اخر اي خبر اخر واثر مختلف
وعيش اخر سوى عيشها البهيمي نعم اسأل الله ان يجعلنا واياكم ممن يختم له بهذه الكلمة قولا وعلما قولا باللسان وعلما بالقلب طيب قالها فرعون فلم تنفعه قالها لانه لم يوقن بما لم تنفعه لسببين. السبب الاول
انه لم يوقن بمظمونها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من مات وهو يعلم انه لا اله الا الله دخل الجنة وهو ممن فات فاته هذا الامر الثاني انه قالها
وهو في سياق الموت قد عاين الموت ونزل به وهذا صار الغيب عنده شهادة وانما تنفع لا اله الا الله قائلها اذا قالها في حال الغيب اي في حال كونه مؤمنا بها
قبل معاينة ملائكة الموت وقبل ان يكون الغيب شهادة نعم والا المجرمون يوم القيامة يقرون كل ما جاءت به الرسل لكن هذا الاقرار لا ينفعهم لانه بعد المشاهدة نعم قال رحمه الله الفصل
ماذا يملك من امره؟ ماذا يملك من امره؟ من ناصيته بيد الله. ونفسه بيده. وقلبه بين اصبعين من اصابعه يقلبه كيف يشاء وحياته بيده وموته بيده وسعادته بيده وشقاوته بيده وحركاته وسكناته واقواله وافعاله
باذنه ومشيئته فلا يتحرك الا باذنه ولا يفعل الا بمشيئته ان وكله الى نفسه ان وكله عندي بالتشديد ان وكله الى نفسه وكله الى عجز وضيعة وتفريط وذنب وخطيئة وان وكله الى غيره وكله الى من لا يملك له ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا
وان تخلى عنه استولى عليه عدوه وجعله اسيرا له فهو لا غنى له طرفة عين. بل هو مضطر اليه على مدى الانفاس في كل ذرة من ذراته باطنا وظاهرا طاقته تامة اليه
ومع ذلك فهو متخلف عنه. من يشعر بهذا من يدرك هذا المعنى قليل من الناس من يستشعر هذه المعاني فاكثر الناس اذا ضحوا واغتنوا و مكنوا مما يكون به تصرفهم في شؤون الدنيا
اغتروا وطغوا وغاب عنهم طاقتهم وفقرهم الى الله عز وجل والمفلح الناجح هو من لم تختلف حاله في استشعار الفاقة بين الغنى والفقر وبين الصحة والمرض وبين العسر واليسر فان هذا هو المفلح
العبد بحال قوته وصحته وغناه بفقره الى مولاه لا يختلف عنه في حال فقره ومرضه وقلة حالته وفي الحالين الى الله فقير وفي الحالين لا غنى به عن فضله وفي الحالين
ذو فاقة عظيمة وحاجة شديدة الى ربه فلا يكون شيء من امره الا بالله فلا حول ولا قوة الا به سبحانه وبحمده واذا اردت ان تتنعم بتحقيق العبودية لله عز وجل فاستشعر هذا المعنى
واذا اردت ان يكون الله لك كما تحب فكن مستشعرا عظيم افتقارك اليه في كل احوالك فانه كلما عظم افتقارك الى الله فزت بهباته وعطاياه والمؤمن لا ينفك عن استشعار هذا المؤمن الصادق لا ينفك عن استشعار هذا المعنى
ولهذا الله معه في كل احواله. ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون بخلاف اهل الشرك الذين لا يذكرونه الا في الشدائد فاولئك يجدون منه عونا حال الفاقة ولكنهم
لا يفوزون بمعيته ولا بتسديده ولا بتوفيقه ولا بانجائه بانجائهم في يوم الميعاد لانهم لم يستشعروا فقرهم اليه في كل احوالهم نعم الله المستعان ومع ذلك فهو متخلف عنه معرض عنه
يتبغض يتبغض اليه بمعصيته مع شدة الضرورة اليه من كل وجه قد صار لذكره نسيا واتخذه وراءه ظهريا هذا واليه مرجعه وبين يديه موقفه ثم قال رحمه الله فصل برر خاطرك للهم بما امرت به
ولا تشغله بما ضمن لك فان الرزق والاجل قرينان مضمونان فما دام الاجل باقيا كان الرزق اتيا واذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه فتح لك برحمته طريقا انفع لك منه
فتأمل حال الجنين يأتيه بذاؤه وهو الدم من طريق واحدة وهو السرة فلما خرج من بطن الام وانقطعت تلك الطريق فتح له طريقين اثنين واجرى له فيهما رزقا اطيب والذ من الاول لبنا خالصا سائغا
فاذا تمت مدة الرضاعة وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقا اربعة اكمل منها طعامان وشرابان والطعامان من الحيوان والنبات والشرابان من المياه والالبان وما يضاف اليهما من المنافع والملاذ فاذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الاربعة
لكنه سبحانه فتح له ان كان سعيدا طرقا ثمانية وهي ابواب الجنة الثمانية يدخل من ايها شاء امين يا رب فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن شيئا من الدنيا
الا ويؤتيه افضل منه وانفع له وليس ذلك لغير المؤمن فانه يمنعه الحظ الادنى الخسيس ولا يرضى له به. ليعطيه الحظ الاعلى النفيس والعبد لجهله بمصالح نفسه وجهلي بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التفاوت بينما منع منه وبينما
ذخر له بل هو مولع بحب العاجل وان كان دنيئا. وبقلة الرغبة في الاجل وان كان عليا ولو انصف العبد ربه وانى له بذلك لعلم ان فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها
اعظم من فضله عليه فيما اتاه من ذلك فما منعه الا ليعطيه ولا ابتلاه الا ليعافيه ولا امتحنه الا ليصافيه ولا اماته الا ليحييه ولا اخرجه الى هذه الدار الا ليتأهب منها للقدوم عليه. وليسلك الطريق الموصلة اليه
فجعل الليل والنهار خلفة لمن اراد ان يذكر او اراد شكورا فابى الظالمون الا كفورا والله المستعان كلام اقول في غاية النفاسة ببيان عظيم لطف الله تعالى بعباده وان العبد يتقلب في
نعم الله عز وجل واحسانه منذ ان كان في رحم امه الى ان ينتهي به المستقر اما الى ان ينتهي به المستقر ان كان معنى السعادة في الجنة واما ان كان من الشقاوة
فانه قد استوفى ذلك قبل القدوم على ربه بما منحه الله تعالى من النعم التي كفرها فلم يتأهل للفوز الكبير والفضل العظيم والعطاء الجزيل الذي اعده الله تعالى لاوليائه الصالحين
جعلني الله واياكم منهم نعم وهذي نكتة مهمة ببيان تسلية الانسان نفسه فيما يتعلق بما فاته من امر الدنيا يقول فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن الا يمنع عبده المؤمن شيئا
من الدنيا الا ويؤتيه افضل منه وانفع له وليس ذلك لغير المؤمن ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عجبا لامر المؤمن ان امره كله له خير ان اصابته سراء شكر فكان خيرا له
وان اصابته ضراء صبر فكان خيرا له ولا يكون ذلك الا للمؤمن قال وليس ذلك لغير المؤمن فانه يمنعه الحظ الادنى الخسيس. وهذا صادق على كل متاع الدنيا. فانه ادنى
من حيث ما اعد الله لاوليائه في الاخرة وخسيس اي نازل القيمة فليس رفيعا ولا ذو مكانة لانه لا يعدل شيئا بالنظر الى ما في الاخرة قال ولا يرظى له به ليعطيه الحظ الاعلى النفيس
لكن تغيب هذه المعاني  ما جبر الله تعالى عليه الناس من العجلة كما قال تعالى وخلق الانسان اه عجولا وفي الاية الاخرى خلق الانسان من عجل وكان الانسان عجولا وكان الانسان عجولا
هذه الاية الاولى وكان الانسان عجولا والثانية وخلق والثانية قوله تعالى خلق الانسان من عجل فالاستعجالة يغيب عنه هذا المعنى. قال والعبد لجهله بمصالح نفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التفاوت بينما منع منه
وبينما ادخر له الا يدرك الفرق بين هذين بل هو مولع بحب العاجل وان كان دنيئا وبقلة الرغبة في الاجل وان كان عليا ولو انصف العبد ربه وانى له بذلك يعني يبعد
ذلك لعلم ان فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها اعظم من فضله عليه فيما اتاه من ذلك وهذا معنى عظيم لو وفق اليه العبد لسكن نفسه لسكن قلبه الرضا عن ربه
ومن رضي عن الله رضي الله تعالى عنه رضيت بالله ربا اي مدبرا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا وصلى الله وسلم على نبينا محمد
