لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين وبعد سم بالله اعوذ بالله من الشيطان الرجيم فاما من اتي كتابه بيمينه فيقول هاء اقرؤوا كتابي  اني ظلمت اني ملاق حسابية
في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم في الايام الخالية  هذه الايات الكريمة من سورة الحاقة جاءت بعد قوله جل وعلا يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية
يوم العرض يوم الجزاء يوم الحساب يوم القيامة تعرضون على الله واعمال العباد معلومة لله جل وعلا ويجازي كل عبد بما يستحق فلا يظلم الله احدا شيئا يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية
ثم ان الله جل وعلا وصل وبين ما يحصل بعد هذا العرض ليكون المرء على بصيرة من امره يبين الله جل وعلا هذا للعباد في حال الدنيا يصور لهم ويبين لهم مشهد يوم القيامة كأنه رأي عين
العاقل يستعد لهذا اليوم ويأخذ اهبته ويوقن به فيستعد له بالعمل الصالح ويجتنب العمل السيء لانه مجازم به ومن اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الاماني يندم حين لا ينفعه الندم ويتأسف
ويتمنى الرجعة الى الدنيا ليعمل صالحا لكن هيهات فيقول الله جل وعلا فاما من اوتي كتابه بيمينه اعطي كتابه الذي كتبته الحفظة عليه اعماله الحسنة وما سجل في هذا الكتاب
اوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابية مسرور بهذا الكتاب مبارح مستبشر من قابله ولقيه او مر به من اهله وذويه ومعارفه هاءم اقرؤوا كتابية هذا كتابي هذه الحسنات مسجلة فيها
يفرح بها العبد في ذلك اليوم العظيم ومن مظاهر فرحه انه يظهره للناس يبينه لانه يسر والمرء اذا عمل عملا حسنا يسر به يفرح ان يعلم عنه الاخرين ولا بأس ان يكون هذا عنده في الدنيا
ما دام ان العمل لوجه الله تبارك وتعالى فالانسان في حال الدنيا يحب ان يثنى عليه بالخير ويذكر به كما قال الله جل وعلا عن ابراهيم الخليل واجعل لي لسان صدق
في الاخرين وذكر الله جل وعلا من دعاء عباد الرحمن واجعلنا للمتقين يعني قدوة في الخير فيقول هاؤم اقرأوا كتابية. هاؤم اصلها هاء ويقال يا ها للفرد المفرد وللاثنين هاؤماء
وللجمع هاؤم بمعنى قيل بمعنى خذوا واصلها هاء هاك هاك وابدلت الكاف الهمزة وصارت هاؤم قال ابن زيد ومعنى هاؤم تعالوا وقال مقاتل هلم وقيل خذوا وهي على الصحيح اسم فعل
هاؤم اقرؤوا يعني اطلعوا على ما في كتابي من الحسنات هاؤم اقرأوا كتابية. والاصل كتابي والها هذه يعبر عنها العلماء رحمهم الله بانها هاء السكتة اذا وقف على عليه قالوا كتابية
كتابية والاصل كتابي وكذلك هي كما سيأتي في قوله ما اغنى عني سلطانها هلك اهلك عني ما اغنى عني مالي؟ هلك عني سلطاني كما سيأتي ان شاء الله في الايات
الاتية وقرأ الجمهور في هذه باثبات الهاء وقفا ووصلا يعني حتى لو وصل يقول هاء مقرؤوا كتابية اني ظننت اني ملاق حسابية والجمهور على اثباتها الوقف هذه هاء السكت في الوصل والوقف في هذه الاية
واختار ابو عبيد ان يتعمد الوقف يقول استحسن ان يقف عليها حتى لا يكون اتى بهاء السكت مع الوصل فيحسن ان يتعمد وان يحرص القارئ على ان يقول هاء مقرؤوا كتابية
اني ظننت اني ملاق حسابية الى اخر الايات وقرأ جماعة من القراء بحذفها وصلا واثباتها وقفا. في جميع هذه الالفاظ قال اذا وصل يحذفها السكتة واذا وقف يأتي بها فيقول
هاء اقرأوا كتابية بالوقف يأتي بها في الواصل هاؤم اقرأوا كتابي اني ظننت اني ملاق حسابية كتابي اني ظننت بدونها وقرأ جماعة من القرا بحذفها وصلا ووقفا تحذف حاء السكت هذه في الوصل
والوقف اني ظننت اني ملاق حسابية اني ظننت هنا بمعنى ايقنت وعلمت وليس المراد هنا الظن بمعنى الشك لان الشاك في ذلك اليوم خاسر وليس ممن يؤتى كتابه بيمينه بمعنى علمت
وايقنت في الدنيا اني احاسب واني ساحاسب في الدار الاخرة فاستعديت لهذا قدمت العمل الصالح لاني موقن بالحساب اني ظننت اني ملاق حسابية واحجمت عن الاعمال السيئة لاني موقن اني ان عملتها فانا محاسب عليها
المؤمن موقن بانه محاسب على الخير والشر انه اذا قدم خيرا وجده وانه اذا قدم شرا سيجده ويجد عقابه ان لم يعفو الله جل وعلا عنه قال النحاك كل ظن في القرآن
من المؤمن فهو يقين ومن الكافر فهو شك لانه بحسب من يصدر منه فظا من المؤمن يعني متيقن يظنون انهم ملاقوا ربهم قال مجاهد ظن الاخرة يقين وظنوا الدنيا شك
يقول الظن للتعبير عن الاخرة فهو يقين وايمان والظن في امور الدنيا فهو من باب الشك. وعدم اليقين قال الحسن رحمه الله في هذه الاية ان المؤمن احسن الظن بربه
فاحسن العمل للاخرة فوجد الثواب العظيم المؤمن احسن الظن بربه فعمل خيرا فوجده وان الكافر اساء الظن بربه فاساء العمل اساء الظن بربه لانه اعتقد انه لا يبعث ولا يحيى بعد الاماتة
فأساء الظن بالله جل وعلا فاعتقد عدم قدرة الله جل وعلا على بعثه والمؤمن احسن الظن بالله فعمل خيرا اني ظننت اني ملاق حسابية يعني موقن باني واجد الحساب بعد البعث
على ما عملت من خير او شر فحرصت على عمل الخير وتابعته واحجمت عن عمل الشر خوفا من مغبته يخبر تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه يوم القيامة بيمينه وفرحه بذلك
وانه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه  اي خذوا اقرأوا كتابي لانه يعلم ان الذي فيه خير وحسنات محضة لانه ممن بدل الله سيئاته حسنات قال عبدالرحمن بن زيد
معنا هاء مقرأ كتابية ايها اقرأوا كتابية وام زائدة كذلك قال والظاهر انها بمعنى هاكم وقال ابن ابي حاتم عن ابي عثمان قال المؤمن يعطى كتابه يعطى كتابه بيمينه في ستر من الله
فيقر فيقرأ سيئاته فكلما قرأ سيئة تغير لونه حتى يمر بحسناته فيقرأها فيرجع اليه لونه ثم ينظر فاذا سيئاته قد بدلت حسنات قال فعند ذلك يقول هاءم اقرؤوا كتابي وذلك ان الله جل وعلا
يرخي ستره على عبده فيقرره بسيئاته فيعترف بها ويظن انه هالك هم يطلع على حسناته فيسر بها ويفرح فاذا اطلع على الحسنات رجع للسيئات فاذا هي قد بدلت بحسنات فيكتمل سروره حينئذ
وورد ان الله يوقف عبده يوم القيامة فيبدأ ان يظهر سيئاته فسيئاته في في ظهر صحيفته فيقول له انت عملت هذا فيقول نعم اي يا رب فيقول له اني لم افضحك به
واني قد غفرت لك فيقول عند ذلك هاؤم اقرأوا كتابية اني ظننت اني ملاق حسابية حين نجا من فضيحته يوم القيامة ثم اخبر جل وعلا بمآل عبده هذا فقال قهوة في عيشة راضية
في عيشة راضية مرضية مطمئن فيها لا يطلب زيادة على ما هو فيه وذلك ان اهل الجنة كل مسرور بما هو فيه وكل يظن انه لا احد افضل منه ولهذا
من حكمة الله جل وعلا ان الله جعل الاعلى يزور الادنى والادنى لا يزور الاعلى لان الاعلى اذا جار الادنى فرأى ان ما عنده افضل من صاحبه يسر بهذا ويفرح
والادنى لو زار الاعلى رأى ان عند الاعلى ما ليس منه عنده فيسوءه. ولا سوء في الجنة كل مسرور بما هو فيه. ويظن انه لا احد افضل منه فهو في عيشة راضية اي مرضية. يرظى حاله وما هو فيه ولا يطلب زيادة
في جنة عالية في جنة عالية اي مرتفعة  او عالية بمعنى معظمة لها قدر عظيم والاثنان يجتمعان لان الجنة درجات وورد ان درجات الجنة مئة وما بين كل درجة واخرى كما بين السماء والارض
في جنة عالية حسا ومعنى قطوفها دانية زهورها وجناها وثمارها وفواكهها دانية يعني مع علو الجنة ثمارها دانية يعني تدنو ممن ارادها ممن هي له فيتناولها قائما ويتناولها جالسا ويتناولها مضطجعا وعلى جنب
تأتي اليه حسب حاله تدنو ممن ارادها على اي حالة هو قطوفها ثمارها وجناها دانية قريبة  فهو في عيشة راضية اي مرضية في جنة عالية اي رفيعة قصورها حسان حورها
نعيم دورها دائم حبورها قال ابن ابي حاتم سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يتزاور اهل الجنة قال نعم انه ليهبط اهل الدرجة العليا الى اهل الدرجة السفلى
فيحيونهم ويسلمون عليهم ولا يستطيع اهل الدرجة السفلى ان يصعدوا الى الاعلى تقصر بهم اعمالهم وقد ثبت في الصحيح ان الجنة مائة درجة ما بين كل درجة كما بين السماء والارض
ثم قال تعالى قطوفها دانية قال البراء ابن عازب اي قريبة يتناولها احدهم وهو نائم على سريره كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم في الايام الخالية يقال لهم كلوا يؤمرون بالاكل
لا امر تكليف وانما هو امر امتنان كلوا واشربوا هنيئا المؤمن في الدنيا قد يأكل الاكلة ويتلذذ باكلها لكن اذا زاد فيها تعب فما تكونوا هنيئا ولا مريئا يتلذذ بأكلها لكن سرعان ما يتعب منها
اما هناك فيأكل ويشرب ولا يعقبه اي مرر عليه كلوا واشربوا هنيئا في هالهنا يعني لا تعب فيه ولا يعقبه تخمة ولا شيء من الالام او الاوجاع كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم
بسبب الباهونة سببية بسبب ما اسلفتم ما قدمتم في الايام الخالية الايام الماضية التي ذهبت ورد ان الصائمين توضع لهم المائدة والناس في عرصات القيامة يلجمهم العرق فيقال للصائمين كلوا واشربوا هنيئا
بما اسلفتم في الايام الخالية. جعلنا الله واياكم منهم. امين كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم. بسبب اعمالكم الصالحة في الايام الخالية وورد ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لن يدخل احد منكم الجنة بعمله
قالوا ولا انت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدني الله برحمته اذا ما معنى قوله بما اسلفتم نعم دخول الجنة لا يقابله شيء لا عمل ولا غيره
ليس العمل ثمنا لدخول الجنة وانما دخول الجنة برحمة الله جل وعلا فاذا دخل المرء الجنة يكون منزلته بحسب ما قدم من الاعمال الصالحة كما ورد في الحديث ان الله جل وعلا يقول ادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها
في اعمالكم دخول الجنة ليس له مقابل يقابله مهما عمل المرء من العمل ما يكون مقابل وثمنا للجنة وانما دخول الجنة برحمة الله لمن رحمه ثم منازل الجنة تقسم بين الداخلين بحسب اعمالهم
كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم في الايام الخالية هذا بيان من الله جل وعلا لمآل عباده المؤمنين المتقين الذين عملوا بطاعته واجتنبوا معصيته كأنها رأي عين للعاقل فمن عقل عن الله تبارك وتعالى جد واجتهد في العمل الصالح
وحد الله جل وعلا وجرد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم وعمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله وابتعد عن معصية الله على نور من الله خوفا من عقاب الله
فيستحق في هذا الثواب الذي اعده الله جل وعلا لمن اطاعه والويل كل الويل لمن خالف امر الله جل وعلا وعصى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو ما سيأتي في الايات اللاحقة في قوله تعالى واما من اوتي كتابه بشماله
فيقول يا ليتني لم اوت كتابية. الايات  كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم في الايام الخالية يقال لهم ذلك تفضلا عليهم وامتنانا وانعاما واحسانا والا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال
اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا ان احدا منكم لن يدخله عمله الجنة قالوا ولا انت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدني الله برحمة منه وفضل والله اعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد
وعلى اله وصحبه اجمعين
