وعلى اله وصحبه اجمعين وبعد  اعوذ بالله من الشيطان الرجيم انا ارسلنا اليكم رسولا شاهدا عليكم كما ارسلنا الى فرعون رسولا وعصى فرعون الرسول فاخذناه اخذا وبيلا فكيف تتقون ان كفرتم يوم ان يجعل الولدان شيبا
السماء منخطر به كان وعده مفعولا هذه الايات الكريمة من سورة المزمل جاءت بعد قوله جل وعلا وذرني والمكذبين اولي النعمة ومهلهم قليلا ان لدينا انكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا اليما
يوم ترجف الارض والجبال الجبال كثيبا مهيلا ان ارسلنا اليكم رسولا شاهدا عليكم ما ارسلنا الى فرعون رسولا الايات يقول تعالى انا ارسلنا اليكم يا معشر قريش او يا كفار مكة
او يا ايها الكفار عموما ان ارسلنا اليكم رسولا هو محمد صلى الله عليه وسلم وفي هذا من انواع البلاغة فيه التفات الخطاب اول عن الكفار على على الغيبة وذرني والمكذبين اولي النعمة ومحلهم قليلا. واصبر على ما يقولون واهجرهم
حجرا جميلا ثم للحاضر للمخاطب بقوله انا ارسلنا اليكم اخاطبهم رسولا شاهدا عليكم هو محمد صلى الله عليه وسلم يشهد عليكم بما تعملونه من الكفر شاهدا على انه بلغكم الرسالة
كما ارسلنا الى فرعون رسولا ارسلنا محمدا صلى الله عليه وسلم ارسلناه رسولا اليكم وهو مرسل من قبل الله تبارك وتعالى مثل ما ارسلنا موسى الى فرعون قد يقول قائل
لما مثل بموسى مع انه ليس اخر الرسول قبل محمد صلى الله عليه وسلم بل بعد موسى رسل وانبيا ومنهم عيسى عليهم الصلاة والسلام فليس اول الرسل ولا اخرهم نعم
لان موسى عليه الصلاة والسلام اشتهر امره برسالته الى فرعون ولان اليهود في جزيرة العرب وفي المدينة في يثرب قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم اليها وهم ينتسبون الى الشريعة اليهودية شريعة موسى
وموسى عليه الصلاة والسلام امره اشتهر وكفار قريش اذا اشكل عليهم شيء مما يحتاج الى علم ارسلوا وفدا منهم الى يهود المدينة يسألونهم عما يشكل عليهم وحينما كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم
كانوا يرسلون الى اليهود يقولون ماذا نقول له وبما وعما لا نسأله وهل طريقتنا احسن ام طريقة محمد يستفتون اليهود وكان اليهود عندهم علم لكنهم لم يعملوا به والله جل وعلا
يخاطب كفار قريش بانه ارسل اليهم رسولا مثل ما ارسل موسى عليه الصلاة والسلام الى فرعون وعندكم اليهود يعرفون ذلك فاسألوهم انا ارسلنا اليكم رسولا شاهدا عليكم كما ارسلنا الى فرعون
رسولا فعصى فرعون الرسول فاخذناه اخذا وبيلا هذا نذارة ليس المقصود التمثيل فقط فعصى فرعون الرسول عصى فرعون موسى فماذا كانت النتيجة فاخذناه اخذا وبيلا شديدا ثقيلا وفي هذا تحذير
وتخويف لكفار قريش بانكم ان لم تؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فسيأتيكم ما اتى من قبلكم وفرعون لما عصى موسى اخذه الله اخذ عزيز مقتدر وانتم يا كفار قريش
الامر بالنسبة لكم مثل اولئك اذا عصيتم محمدا صلى الله عليه وسلم اتاكم ما اتى من عصى موسى فعصى فرعون الرسول فاخذناه اخذا وبيلا الرسول موسى عليه الصلاة والسلام والنكرة
اذا اعيدت معرفة فهي نفس النكرة الاولى انا ارسلنا اليكم رسولا شاهدا عليكم كما ارسلنا الى فرعون رسولا فعصا فرعون الرسول كما ارسلنا الى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول. جاء كلمة الرسول في
جملة الثانية معرف للدلالة على انه الرسول المعصي هذا هو الذي ارسل الى فرعون يقول مثلا جاءني رجل فاكرمت الرجل اعدت الاسم الاول معرف دليل على انه الاسم السابق هو نفسه
يعني جاءك رجل فاكرمته نفسه والعرب اذا ذكرت الاسم ثم ارادت ذكره مرة ثانية اما ان اذكر ضميره العائد اليه او تعيده معرفا بالالف واللام واذا ارادت غيره اتت به نكرة
فتقول مثلا جاءني رجل فاكرمت رجلا هذا غير الاول جاءني رجل فاكرمت رجلا انا اكرمت رجل غير ما يلزم ان يكون الاول لكن اذا قلت جاءني رجل فاكرمت الرجل صار هو الاول
ومثله تقول جاءني رجل فاكرمته مثله يعني هو نفس الاول اكرمت الرجل فهو معرف لتقدم ذكره وهذه تسمى العهدية. يعني انه معهود مذكور قريب يقول بعض المفسرين في الحواشي والعرب اذا قدمت اسما
ثم حكت عنه ثانيا اتوا به معرفا بال او اتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره معرفا بال يقول فاكرمت الرجل. جاءني رجل فاكرمت الرجل واوجئني رجل فاكرمته وفي قوله جل وعلا
فان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الاية مع اصحابه لو دخل العسر في جحر لا دخل عليه اليسر وتلا هذه الاية صلى الله عليه وسلم وقال لن يغلب عسر يسرين
لن يغلب عسر يسرين يعني اليسر يغلب لان اليسر اثنان والعسر واحد كما في الاية فان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا العسر معرف فهو واحد واليسر منكر فهو متعدد
ولذا قال صلى الله عليه وسلم لن يغلب عسر يسرين العسر واحد لانه معرف جاءني رجل فاكرمت الرجل نفسه جاءني رجل فاكرمت رجلا الرجل الاول غير الثاني فان مع العسر العسر معرف
يسرا منكر ان مع العسر يسرى فاعيد اليسر منكر دل على انه غير الاول واعيد العسر معرف دل على انه هو الاول بان ال هذه المعرفة العهدية يعني المذكور قبل
كما ارسلنا الى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول الذي هو موسى فاخذناه اهلكه الله جل وعلا واهلكه بما كان يتبجح به ويفتخر ويقول وهذه الانهار تجري من تحتي فاهلكه الله بالغرق
والله جل وعلا ينتقم ويهمك من شاء من خلقه بما شاء من خلقه وقد يهلك القوم الاشداء في شيء يسير وقد يهلك الجبار العنيد في اقل شيء واظعف شيء كما اهلك الله جل وعلا النمرود
بالبعوضة بعوضة دخلت في مناخره فازعجته وكان يظرب بالمطارق على رأسه ليهدأ الوجع الذي يحس به حتى اهلكه الله ويهلك القوم بما كانوا يفرحون به او يتوقعون منه الفرج او يتوقعون منه الغيث
لما رأى عاد ما في السماء من الظلمة قالوا هذا عارظ ممطرنا يقول الله جل وعلا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب اليم فاخذناه اخذا وبيلا. الوبيلا الشديد
ويقال للمطر وابل  لانه ثقيل وينزل بقوة من السماء ومنه يقال طعام وبيل يعني لا يستبرأ عشر الهضم  يقول تعالى مخاطبا لكفار قريش والمراد سائر الناس انا ارسلنا اليكم رسولا شاهدا عليكم
اي باعمالكم كما ارسلنا الى فرعون رسولا وعصى فرعون الرسول فاخذناه اخذا وبيلا قال ابن عباس اخذا وبيلا اي شديدة فاحذروا انتم ان تكذبوا هذا الرسول ويصيبكم ما اصاب فرعون
حيث اخذه الله اخذ عزيز مقتدر. كما قال الله تعالى فاخذه الله نكال الاخرة والاولى كان الاخرة والاولى الكلمتين اللتين قالهما قوله ما علمت لكم من اله غيري وقوله انا ربكم الاعلى
وانتم وانتم اولى بالهلاك والدمار. ان كذبتم رسولكم لان رسولكم اشرف واعظم من موسى ابن  فكيف تتقون ان كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا كيف تتقون كيف تكون انفسكم من عذاب ذلك اليوم
ان استمررتم على الكفر او انى لكم التقوى ذلك اليوم يعني اذا رأيتم العذاب واردتم التقوى واردتم الخوف من الله ما نفعكم ذلك وكيف تتقون ان كفرتم يعني في الدنيا واستمرئتم على كفركم
كيف تتقون ذلك اليوم الذي هو يوم القيامة يوما يجعل الولدان شيبا. الولدان الولد الشباب يصير الولد بمثابة الشيب الشايب من الشعر من شدة الموقف والاهوال العظيمة  ان المعنى والله اعلم انه يشيب حسا فعلا
ينقلب شعر المرء ابيض شيبا من هول الموقف وقيل انه بمعنى انه تنهار قوى المرء حتى الرجل النشيط القوي يكون بمثابة الشيخ الكبير الشايب ما يتحرك يكون ظعيف الحركة تنهار قواه
وقيل ان الولا ان الولدان يكبرون في ذلك اليوم لطول اليوم. يعني اليوم طويل يوم يكون الولد المولود في اوله يشيب قبل ان ينتهي اليوم يعني من طول هذا اليوم
والمعنى الاول هو الظاهر والله اعلم على الحقيقة انه يكون الاولاد شيبا يعني تشيب رؤوسهم ابدانهم من هول الموقف. وكما قال الله جل وعلا يوم يفر المرء من اخيه وامه وابيه وصاحبه
وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه فكيف تتقون ان كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا يحتمل ان يكون يوما معمولا  كما حكاه ابن جرير عند قراءة ابن مسعود فكيف تخافون ايها الناس يوما يجعل الولدان شيبا
ان كفرتم بالله جمع اشيب يعني شيب جمع هؤلاء رجال شيب نعم ان كفرتم بالله ولم تصدقوا به ويحتمل ان يكون معمولا لو كفرتم وعلى الاول كيف يحصل لكم امان من يوم هذا الفزع العظيم ان كفرتم
وعلى الثاني كيف يحصل لكم تقوى؟ ان كفرتم يوم القيامة وجحدتموه وكلاهما معنى حسن ولكن الاول اولى والله اعلم. ثم وصف هذا اليوم بصفة اخرى قوله يجعل ولدان الشيبة صفة ثانية غير هذه
ولقوله السماء منفطر به السماء على عظمها ومتانتها وقوتها وصلابتها في السنوات الماضية تتخرق وتنفطر تتشقق من حول اليوم والسماء كما ورد في الحديث بين السماء والارض مسيرة خمسمائة عام
وبين السماء الدنيا والسماء الثانية مسيرة خمسمائة عام وكسف كل سماع مسيرة خمسمائة عام السماء ومتانة وسماكة السما مثل ما بين السماء والارض هذه المخلوق العظيم تنفطر وكما قال الله جل وعلا اذا السماء انشقت
واذا السماء انفطرت تبين احوال يوم القيامة ومن اراد ان ينظر الى يوم القيامة رأي عين فليقرأ اذا السماء انفطرت واذا السماء انشقت واذا الشمس كورت وغيرها من السور التي
اهوال يوم القيامة السماء منفطر به يعني تنفطر السماء تشقق والله جل وعلا يأمرها بذلك لنزول الملائكة تنزل الملائكة فيحيطون باهل الارض السماء منفطر به كان وعده مفعولا وعد الله جل وعلا بهذا اليوم واقع
لا محالة لان في بعض الوعود مثلا مخلوق يعد مخلوق ما ينجز اما انه ما تيسر له او يخلف اما وعد الله جل وعلا وما يعد به خلقه فانه لا يتخلف. لانه لا يمكن ان يقال عجز عنه
وتعالى ولا يقال صد او رد او ما استطاع وانما ما قاله الله جل وعلا وما اراده لابد ان يكون السماء منفطر به كان وعده مفعولا وفي هذا تخويف بكفار قريش وحث لهم على سرعة الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل ان يداهمهم
السماء منفطر به قال الحسن وقتادة اي بسببه من شدته وهوله منفطر به يعني الباس نبية منفطر به  بسببه بسبب هول هذا اليوم وعذابه  ومنهم من يعيد الضمير على الله تعالى
وعن ابن عباس رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى يوما يجعل الولدان شيبا. قال ذلك يوم القيامة وذلك يوم يقول الله لادم  طب يا عاش من ذريتك بعثا الى النار
يقول الله جل وعلا لادم ذلك اليوم يا ادم قم فابعث من ذريتك بعثا الى النار قال من كم يا ربي كم بعث النار من العدد الخلق قال من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعين وينجو واحد
واحد من الالف الى الجنة وتسعمائة وتسعة وتسعون الى النار يقول ابن عباس رضي الله عنهما فاشتد ذلك على المسلمين. يعني تأثروا لان هذا اليوم هو الذي يجعل البلدان شيبا اذا سمع مثل هذا الكلام
انه من الالف واحد للجنة كل من من هذا الواحد فاشتد ذلك على المسلمين فقال اي النبي صلى الله عليه وسلم حين ابصر ذلك في وجوههم ان بني ادم كثير
ان بني ادم كثير. وكثرتهم الى النار وان يأجوج ومأجوج من ولد ادم وانه لا يموت رجل منهم حتى يرثه لصلبه الف رجل الواحد منهم اولاده لصلبه الف يقول له الف ولد قبل ان يموت
ففيهم وفي اشباههم جنة لكم. يعني تستترون بهم من النار فيهم وفي اشباههم من غير يأجوج ومأجوج لان الكثير الفجار كما قال الله جل وعلا وان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله
ويقول تعالى وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين المسلمون قلة بالنسبة للكفار والكفار هم اهل النار فهم جنة يعني ستر للمؤمنين من النار كان وعده مفعولا اي كائن وعده هذا اليوم
مفعولا واقعا لا محالة. وكائنا لا محيد عنه والله اعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
