والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين وبعد اعوذ بالله من الشيطان الرجيم اذ جاءوكم من فوقكم ومن اسفل منكم وان زاغت الابصار واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا
هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا واذ قال طائفة منهم يا اهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا
ويستأذن فريق منهم النبي يقولون ان بيوتنا عورة وما هي بعورة يريدون الا فرارا ولو دخلت عليهم من اقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها وما تلبثوا بها  وما تلبسوا بها الا يسيرا
هذه الايات الكريمة من سورة الاحزاب تابعة لما قبلها في موضوع امتنان الله جل وعلا على عباده حيث انعم عليهم السلامة من كيد الكائدين وتحزب الاحزاب وقد اجتمع الاعداء من كل حدب وصوب
ومن جميع جهات المدينة واحاطوا بها بقصد القضاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين من المهاجرين والانصار رضي الله عنهم رد الله جل وعلا كيد الكائدين في نحورهم
ودارت الدائرة عليهم وسلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من شرهم وكفاهم القتال حيث قال جل وعلا الآية السابقة يا ايها الذين امنوا اذكروا نعمة الله عليكم اذ جاءتكم جنود فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها
وكان الله بما تعملون بصيرا ان جاءوكم من فوقكم ومن اسفل منكم جاؤوا من فوق من اعلى الوادي ومن اسفل يعني من اسفل الوادي اذ جاءوكم اذكر يا محمد اذ جاءوكم من اعلى الوادي وهو من جهة الشرق
والذين جاءوا من هذه الجهة  وسيدهم عيينة بن حصن وهواجن وسيدهم عوف بن مالك وبنو اسد وسيدهم طليحة بن خويلد الاسدي وانضم اليهم عوف بن مالك وبنو النظير ومن اسفل الوادي من جهة المغرب من ناحية مكة
وهم قريش ومعهم من الاحابيش وسيدهم ابو سفيان ابن حرب وجاء ابو الاعور السلمي ومعه حيي بن اخطب اليهودي في يهود بني قريظة من وجه الخندق ومعهم عامر بن الطفيل
فاجتمعت اليهود وكفار قريش وقبائل العرب احاطت بالمدينة كما سمعت اسماع القبائل التي جاءت بخيلها يريدون القضاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وان زاغت الابصار. واذكر يا محمد
ولتذكر امتك وصحابتك اذ زاغت الابصار اي مالت وعدلت عن كل شيء فلم تنظر الا الى عدوها. وهذا كناية عن الفزع الشديد ان العدو مقبل من جميع الجهات ومن كل جهة يتوقع دخوله
وشخصت الابصار من هول الحيرة ومن شدة الموقف وبلغت القلوب الحناجر والحناجر جمع حنجرة وهي معروفة وهو جوف الحلق الحلقوم ارتفعت القلوب وكادت تخرج لولا ظيق الحناجر كما قال قتادة رحمه الله
وذلك ان المرء اذا حزبه امر وخاف انتفخت رئته فيرتفع قلبه الى الحنجرة ولهذا يقال للجبان اذا اشتد خوفه انتفخ سحره وتظنون بالله الظنونا كثرت الظنون منكم ايها المخاطبون من يظن بالله الظن الحسن
فالمؤمنون يظنون بالله الظن الحسن ومتيقنون النصر باذن الله وان الله وعدهم النصر ولن يخلف وعده وما اخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم ووعدهم اياه من التأييد لن يخلف
لان ذلك استقر في قلوبهم واعتقدوه اعتقادا جازما وظن المنافقون ان هذه الواقعة تقضي على محمد ومن معه ومن كان في شك او ضعف ايمان قوي شكه وضعف ايمانه واثر عليه المنافقون الخلص
والظنون كثرت وهي مختلفة قال بعض المفسرين جنون المنافقين وجمهور المبشرين على ان الظنون اختلفت. وتنوعت ظن حسن وظن سيء وتظنون بالله الظنون الظنون قراءتان الالف وتسمى عند النحات الف الاطلاق
وهي شبيهة السكت والقراءة الثانية بدون الف وتظنون بالله الظنون قراءتان سبعيتان بعضهم يأتي بالالف بالوصل والوقف يعني اذا وقف عليها واذا وصلها بما بعدها وبعضهم يحذف الالف بالوصل والوقف
وبعضهم يأتي بالالف في الوقف ويحذفها في الوصل ثلاثة اقوال في قراءتين ورجح ابن جرير رحمه الله حذفها رجح رحمه الله حذفها في الوصل والوقف والقراءتان سبعيتان وسيأتي لها امثال في هذه السورة الكريمة
وتظنون بالله الظنون هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا هنالك هنالك  مكان البعيد وهنا للقريب وهناك في المتوسط قال بعض المفسرين رحمهم الله ويجوز ان يكون ظرف زمان اي عند ذلك الوقت
هنالك الاول على ان هنالك في ذلك المكان الذي هو مكان الخندق وقال بعضهم يجوز ان يكون هنالك ظرف زمان اي هنالك عند ذلك الوقت ابتلي المؤمنون ابتلاهم الله جل وعلا
والله جل وعلا يبتلي عباده يعني يختبرهم من نعم كما يختبرهم بالمصائب والابتلاء هو الامتحان والاختبار بايمان العبد كما يبتلى ويختبر الذهب والفضة على النار لينظر خالص اصلي فيه غش
وكذلك امتحان الله جل وعلا لمن شاء من عباده يظهر السليم من الدخيل الذي فيه نفاق او ريب او شك من قوي الايمان ثابته هنالك ابتلي المؤمنون والابتلاء ليس بالمصائب فقط
فليكونوا بالنعم ويكون بالمصائب فمن العباد من اذا انعم الله عليه بنعمة المال او الجاه او الصحة استعان بذلك على طاعة الله وحاول نفع عباد الله فينجح في هذا الامتحان
ويأخذ الدرجة الكبرى ومن العباد من اذا انعم الله عليه النعمة نعمة المال او الجاه او القدرة او الصحة استعان بذلك على معصية الله جل وعلا وانتهاك محارمه والغش لعباد الله
ويخفق في هذا الامتحان والعياذ بالله ويخسر الدنيا والاخرة ومن العباد من اذا ابتلاه الله جل وعلا بالمصيبة حمد الله جل وعلا واسترجع وصبر واحتسب وعلم ان ذلك شيء قد قدره الله عليه
فرضي بقضاء الله وقدره واحتسب الاجر فحصل على الثواب الجزيل من الله جل وعلا الموعود به في قوله تعالى انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب ومن العباد من اذا ابتلي بمصيبة
وتسخط واخذ يعترض على قضاء الله وقدره ويتبرم ويدعو على نفسه بالويل والثبور ويشكو ما اجراه الله جل وعلا له على عباد الله متأثرا من مصيبته يائس من رحمة الله
غير محتسب الاجر ويخسر الدنيا والاخرة والعياذ بالله المصيبة تحصل والالم يزيد والاجر يفقد فلا يحصل على اجر والله جل وعلا يبتلي عباده بالخير والشر في السراء والضراء من نعم
والمصائب ويتميز العباد عند الامتحان هنالك ابتلي المؤمنون وهؤلاء الذين ابتلاهم الله جل وعلا مجتمعون فيهم خير خلق الله صلوات الله وسلامه عليه وصحابته الكرام افضل هذه الامة ومعهم من شرار الخلق
من المنافقين  من على شاكلتهم ابتلى الله جل وعلا الجميع وميز الخبيث من الطيب وزلزلوا زلزالا شديدا زلزلوا قراءة بضم الزاي وكسر الزاي الثانية زلزلوا وقراءة اخرى بكسر الزاي الاولى زلزلوا
وزلزال فيها قراءتان كذلك بكسر الزاي وفتحها زلزالا وزلزالا والزلزلة التحريك بشدة يعني تحركوا وتزلزل منهم من تحرك وتزلزل في مكانه وهذا جار على الجميع ومنهم من تزلزل وتحرك في دينه
خسر دينه والعياذ بالله نافق وارتد عن الاسلام بنفاقه الصريح فمنهم من اضطرب في نفسه ومنهم من اضطرب في دينه والاضطراب في النفس لا يضر ولا يضر المرء لانه من الاهتمام
والسعي بالخلاص والنجاة من شر الاعداء واما التزلزل في الدين والعياذ بالله فهذا الذي يضر المرء في دنياه واخراه وزلزلوا زلزالا شديدا واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض اصبحوا طوائف
منهم منافقون خلص والله جل وعلا قال ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار وهم شر من الكفار لان الكافر قد اعلن كفره واتقاه المسلمون والمنافق اظهر الاسلام وابطن الكفر
فهو يخادع الله والله خادعهم ويخادعون المؤمنين والله خادعهم وضرر المنافقين اشد لانهم يدخلون في المسلمين وربما اشاروا عليهم باسلوب منمق ومحسن يوقع بهم في مشورتهم لهم وتظاهرهم انهم يشيرون عليهم بالخير
ومنهم من في قلبه مرض يعني فيه شك فيه ريب فيه مبدأ النفاق ولم يتوغل فيه لكن بهذه الفتنة ربما تمكن النفاق من قلبه والعياذ بالله اذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض
ما وعدنا الله ورسوله من النصر والظفر وفتح فارس والروم الا غرورا قال بعضهم لبعض المؤمنين تعال الم يكن محمد وعدنا ان نفتح فارس والروم وان نقتسم اموالهم قال بلى
قال والان الواحد منا يخاف عند الخروج الى الغائط او البول لن يكون حقا ما وعد محمد فقال له المؤمن كذبت وسيحقق الله وعده لرسوله صلى الله عليه وسلم وقالوا كما قال الله جل وعلا عنهم كما سيأتينا ان شاء الله
هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله. وما زادهم الا ايمانا وتسليما  واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا واذ قالت طائفة منهم
اولئك طائفة يتشمتون ويتكلمون ويثبطون لان وعد الله ورسوله كذب ولن يتحقق وطائفة اخرى كما قال الله واذ قال طائفة منهم يا اهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا يقول بعض المنافقين
يا اهل يثرب يثرب اسم للمنطقة التي فيها المدينة لانه سكنها او ابتدأ عمارتها يخرب ابن عميل من العمالقة في القديم فاسم المدينة وما حولها يثرب وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم
هذه التسمية ونهى عن تسميتها بذلك وقد اخرج الامام احمد وابن ابي حاتم وابن مردويه عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمى المدينة يثرب
فليستغفر الله هي طابة هي طابة هي طابة ولفظ الامام احمد في روايته انما هي طابة ولعل المنافقين قالوا عنها بهذا الاسم لان تسميتها المدينة سماها الرسول صلى الله عليه وسلم
فهم كرهوا اسم الرسول اسم تسمية الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا يا اهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا فيها قراءتان لا مقام ولا مقاما بضم الميم وفتحها بفتح الميم على انها اسم مكان
لا مقام لا مكان لكم وبضمها على انه مصدر من اقام يقيموا مقاما لا مقام لكم فارجعوا اي يحرضونهم على الهروب عن الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن معه من المؤمنين
لا مقام لكم فارجعوا يعني ارجعوا الى بيوتكم ارجعوا الى اهليكم وذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج ومن معه من المؤمنين ومن معه من المنافقين خارج المدينة تحسبا
لهذا الجيش الذي جاء من كل وجه وجمعوا النساء والزراري والعجزة عن القتال في حصن من حصون المدينة وخرجوا وخرج صلى الله عليه وسلم ومن معه وجعلوا ظهورهم الى جبل سلع
والخندق بينهم وبين الاعداء يقول ارجعوا الى اهليكم او ارجعوا الى بيوتكم واتركوا محمدا ومن معه ليفتوا في عضدهم ويستأذن فريق منهم النبي فريق اخر يعني الفرق كثيرة طريق يحرض بعضه بعض بالرجوع بدون استئذان
وفريق عنده شيء من الحياء يستأذن فريق منهم النبي يقولون ان بيوتنا عورة اي ضائعة  او ضعيفة او غير محصنة من الاعداء او نخشى على ذرارينا ونسائنا ان بيوتنا عورة
فاكذبهم الله جل وعلا فقال وما هي بعورة ليس الامر كذلك ان يريدون الا فرارا ما استأذنوك الا فرارا بانفسهم هم حينما يستأذنون ما استأذنوا حفاظا على اهاليهم او بيوتهم وانما فرارا من الوقوف
مع محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وقال الله جل وعلا ولو دخلت عليهم من اقطارها. لو كانوا في المدينة ودخلت عليهم من اقطارها يعني من نواحيها والضمير دخلت عليهم يعني دخلت المدينة
وقيل البيوت ولو دخلت عليهم من اقطارها نواحيها ثم سئلوا الفتنة سئلوا طلب منهم الكفر والشرك لاتوها سئلوا الفتنة. يقول ابن عباس رضي الله عنهما اتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك
لقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم. يقول اتدري ما الفتنة فتنة الشرك ولو دخلت عليهم من اقطارها ثم سئلوا الفتنة طلب منهم الشرك او الكفر
لاتوها او لاتوها قراءتان يعني ما عندهم ايمان ما عندهم ثبات لو دخلت عليهم الاعداء وقالوا لهم اكفروا لكفروا في الحال ثم سئلوا الفتنة لاتوها لاتوها يعني جاؤوها او لاتوها لاعطوها اعطوا ما يراد منهم
قراءتان سبعيتان لاتوها لجاءوا اليها واستجابوا لاتوها لاعطوها يعني يعطون ما طلب منهم وما تلبسوا بها الا قليلا جمهور المفسرين على ان المراد بقوله جل وعلا وما تلبسوا بها الا يسيرا. يعني ما انتظروا
وما جادلوا اذا طلب منهم الكفر سرعان ما يكفرون بانه لا ثبات عندهم ولا ايمان قال بعض المفسرين وما تلبثوا بها الا يسيرا يعني لا اعطوا ما يراد منهم ولو فعلوا ذلك ما بقوا في المدينة الا يسير
يعني يأتيهم الموت يعني لن يكون عطاؤهم هذا ما يراد منهم ابقاء لهم او سيبقيهم لا بل سيأتيهم الموت  وما تلبثوا بها الا يسيرا والله جل وعلا صور حال المنافقين في هذه الايات وبين
طوائفهم وفضحهم جل وعلا بين عباده واظهر امرهم للنبي صلى الله عليه وسلم ليحذرهم واظهر جل وعلا في هذه المحنة المؤمن التقي الصابر من المنافق الخالص ممن في قلبه شك وريب
ممن عنده حيا ومجاملة مع عدم ايمان وثبات فنوعهم جل وعلا في هذه الايات وكشف حالهم للمؤمنين ليحذروهم والله جل وعلا تحدث عن المنافقين في القرآن اكثر مما تكلم عن الكفار
بما تقدم لان ظرر المنافقين اعظم مع ان المنافقين يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون ويزكون كل هذا يفعلونه حقنا لدمائهم او حفاظا على مراكزهم ومكانتهم او لهدف من امور الدنيا ولا ايمان في قلوبهم
وتلك الاعمال التي يعملونها في الدنيا ظاهرها الصلاح لا قيمة لها عند الله جل وعلا. لان الله جل وعلا لا يقبل من العمل الا ما كان خالصا صوابا خالصا لوجهه الكريم صوابا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم
والله اعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
