والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين وبعد الحمد لله اعوذ بالله من الشيطان الرجيم وتركوك قائما كل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين
هذه الاية الكريمة هي خاتمة سورة الجمعة جاءت بعد قوله جل وعلا فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون واذا رأوا تجارة او لهوا انفضوا اليها. الاية
هذه الاية الكريمة واذا رأوا تجارة او لهوا التجارة هي تجارة جاءت من الشام  مع دحية ابن خليفة الكلبي تجارة فيها انواع الاطعمة والادهام وما يحتاجه الناس وكان في الناس فاقة
وسمعوا وعلموا بقدوم هذه التجارة واللهو المراد به الطبل لانه كان من العادة اذا قدمت التجارة من الشام او من غيره ضرب عليها بالطبل حتى يتعالم الناس بهذه التجارة فيأتوا ليأخذوا حاجتهم منها بقيمتها
انفضوا بمعنى انصرفوا اليها اليها المذكور شيئان واعاد الضمير الى احدهما لان مقصدهم هو التجارة قلنا ما هم سمعوا ورأوا التجارة واللهو فانصرفوا الى التجارة ليأخذوا حاجتهم منها وتركوك الخطاب المراد به النبي صلى الله عليه وسلم
قائما هو يخطب صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة وكان في صدر الاسلام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة ثم يقوم على المنبر فيخطب عليه الصلاة والسلام فالصحابة رضي الله عنهم صلوا الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم
ولما هم فيه من الحاجة والفاقة والرغبة في ان يأخذوا حاجتهم من هذه التجارة القادمة من الشام ورأوا انهم قد صلوا الجمعة انصرفوا لما سمعوا بالطبل الذي يفعل عند اصول التجارة للسوق
ظنا منهم رضي الله عنهم انهم ادوا ما عليهم من الصلاة وانهم لحاجتهم وفاقتهم الى هذه التجارة انصرفوا اليها وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر يخطب
ولم يبق معه الا القليل. من الصحابة رضي الله عنهم اثنى عشر وقيل اقل من ذلك وقيل اكثر ومن هؤلاء الاثني عشر كما روي العشرة المبشرون بالجنة رضي الله عنهم وارضاهم
مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينفضوا عقب هذا النبي صلى الله عليه وسلم ان يجعل الخطبة قبل الصلاة والا فقد كان في صدر الاسلام الصلاة اولا ثم الخطبة مثل صلاة الاستسقاء وصلاة العيدين
والله جل وعلا في هذه الاية الكريمة يعاتب عبادة ويوجههم لانهم لا ينبغي ان يؤثروا شيئا على طاعة الله حتى وان كان بهم حاجة ملحة في هذه التجارة عليهم ان يقبلوا على تجارة الاخرة
وعلى ما يستمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم مما فيه حياة القلوب ولا ينشغل عن الجمعة ولا عن خطبتها باي شيء من امور الدنيا حتى وان كان بهم حاجة وفاقة
الله جل وعلا يعوضهم خيرا في الدنيا والاخرة وكما ورد في الحديث من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه وقد تسمح للمرء فيها مكسب دنيوي لكن هذا المكسب الدنيوي فيه شبهة
ليس حلالا من كل وجه ويترك ما لا حرمة فيه صريحة حذرا من ان يقع فيما فيه حرام فهذا يقال تركه لله والله جل وعلا يعوضه خيرا منه مثل ما لو عرض على المرء مثلا عمل
وظيفة راتب مغري لكن هذه الوظيفة لا تخلو اما فيها عمل حرام يعني كسب حرام او في اذى لعباد الله او فيه مدخل على المرء في دينه او فيه تفويت لصلاة الجماعة
او تفويت لحلق الذكر او في تفويت لما له فيه مصلحة دينية ويترك هذه الوظيفة وان كانت مناسبة له لهذا السبب حرصا ورغبة فيما عند الله. وان لا عما يشغله عن طاعة الله
او ان لا يشتغل بما يؤذي عباد الله. او ان لا يشتغل بما هو محرم في الشريعة الاسلامية مثلا ويترك هذا الكسب وان كان مغرا وكثير لاجل الله جل وعلا. فالله جل وعلا يعوضه خيرا منه في الدنيا
بالقناعة ويأتيه الرزق الحلال وفي الاخرة الثواب العظيم عند الله جل وعلا وكما ورد ان ما قدر للمرء من رزق سيأتيه لا محالة فان استعجله من الحرام اخذه واثم وان انتظره جاءه باذن الله من الحلال واجر
فليحذر المرء من الكسب الذي يجره الى عدم مخافة الله جل وعلا او يجره الى العمل في معصية الله او يجره الى العمل في اذى عباد الله او يجره الى العمل مع من لا يؤمن بالله واليوم الاخر
بان مجالسة الاشرار والفساق ومن لا يؤمن بالله واليوم الاخر تورث في القلب قسوة ويقول ذلك عقوبة على المرء من حيث لا يشعر واظن انه كاسب واظن انه محصل الخير. ما دام حصل هذه الوظيفة او هذا الكسب. مثلا سهلا
سورا يظن ان هذه نعمة بين ما هي والعياذ بالله قد تكون على العبد نقمة وسبب لعذابه وشقاء في الدنيا والاخرة واذا رأوا تجارتنا ولهو انفضوا اليها وتركوك قائما يقول النبي صلى الله عليه وسلم انفضوا جميع ما بقي منهم احد لاشتعل عليهم الوادي نارا
عقوبة لهم لكن الله جل وعلا كثيرا ما يلطف بالعصاة من اجل دعوات والاخيار وتركوك قائما دل على انه يشرع للخطيب الخطبة قائما ما يخطب وهو جالس فليخطب قائما كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل
قل يا محمد يقول لهم للصحابة وللامة قاطبة لان ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم بفرد من الصحابة او المجموعة منهم او لكل الصحابة يقوله صلى الله عليه وسلم للامة لان كلامه
تشريع للامة من اولها الى الى اخرها. قل ما عند الله خير من الله من التجارة ما عند الله في الدار الاخرة وما يدخره الله جل وعلا لعباده في الدنيا وفي الاخرة خير من اللهو
واللهو الذي هو الطبل وفائدته معدومة ومن التجارة التجارة قد يكون فيها فائدة دنيوية لكن ما عند الله فيه فائدة دنيوية واخروية يرزق الله جل وعلا عبده من حيث لا يحتسب
قد يتوقع المرء انه ان لم يخرج يفوته هذا الرزق ويأخذه غيره مثلا وما يدريك لعل الله ان يسوق لك خيرا منه والله جل وعلا بيده مفاتيح كل شيء وهو القادر على كل شيء
يحفظ لك رزقك اذا حفظت الله في اوامره ونواهيه وما عند الله خير من الله و ومن التجارة والله خير الرازقين والله خير الرازقين وتعليل وبيان لمعنى الجملة السابقة ما عند الله خير من الله و من التجارة لما
لان الله هو خير الرازقين جل وعلا قد يقول قائل هل يفهم من هذا ان لله شركا في الرزق والله خيرهم له واننا الرزق يسوقه الله جل وعلا على يد من شاء
ويسوق الله الرزق للاولاد الصغار الرملة الشيوخ الكبار والعجائز يسوق الله رزقهم على يد شخص من عباده وهذا الشخص يسمى رازق يرزق اولاده يرزق ابويه يرزق من يعطيهم من خيره مثلا
والرازق الحقيقي والمعطي الاول هو الله جل وعلا فهو خير الرازقين فهؤلاء وان سموا رازقين فالرزق الذي يأتي على ايديهم انما هم سبب لو عدم هذا السبب جاء من سبب اخر. لان الله لا يضيع عباده
كما يسد من باب جل وعلا الا يفتح بدنه ما هو خير منه احسن ولا يظن مثلا ان هذا الرزق الذي يأتي من طريق فلان اذا مات او سافر او ذهب انقطع الرزق لا يسوق
الله الرزق من جهة اخرى نلاحظ كثيرا مثلا بعض البيوت يكون فيها رجل صالح قيم على البيت كامل  او يعجز عن العمل سيظل من لا يقين عنده ولا ايمان ان اهل هذا البيت سيموتون جوعا
رازقهم ومعطيهم مات او مرض اوعاب ويسوق الله جل وعلا لهم الرزق من حيث لا يحتسبون يوجه من شاء من عباده من قريب او بعيد فيقوم باكثر مما يقوم به كاسبهم الاول
وهذا شيء نشاهده كثيرا يعني اذا ما تقيم هذا البيت او هؤلاء الصغار او هؤلاء الارامل ان بعض الناس انهم خلاص انقطع رزقهم وانهم سيموتون. بينما هم بعد فترة وجيزة تكون حالهم باذن الله احسن من حالهم يوم كان عائلهم قائم عليهم
وذلك ان الله جل وعلا هو الرازق الحقيقي وهو العالم باحوال عباده. لا تخفى عليه خافية يسوق هذا الرزق من طريق الجيد ويسوقه اذا شاء من طريق العمر. كما ساقه من طريق زيد يسوقه من طريق غيره سبحانه وتعالى
والله خير الرازقين. فمنه يطلب الرزق وحده وهو جل وعلا يسوقه على يد من شاء كما قال الله جل وعلا عن مريم عليه السلام حينما يدخل عليها يحيى المحراب يجد عندها
زكريا يجد عندها طعام قريب من اين لك هذا؟ قالت ومن عند الله هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب ما كانت تذهب ولا تخرج متفرغة للعبادة ما كانت تخرج تطلب الرزق
يأتيها رزقها ساقه الله لها على يد من شاء وهكذا رزق الله جل وعلا يسوقه سبحان وتعالى وقد وقد يقال لهذا ان فيه وناس يرزقون لكن رزقهم حقيقة من الله جل وعلا ساقه على ايديهم ولهذا قال تعالى والله خير
الرازقين. فهو الذي يطلب منه الرزق ويسوقه جل وعلا. وبهذه الاية الكريمة اديب من الله جل وعلا لعباده في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الى يومنا هذا الى ان يرث الله الارض ومن عليها
يقول لعباده لا تنشغلوا بدنياكم عن طاعة الله ومن اشتغل بطاعة الله شفاه الله مؤونة الدنيا لا تشتغلوا بما لا نفع لكم فيه وانما النفع الحقيقي لكم في طاعة الله
فمن توجه الى الله جل وعلا كفاه. ولا ينبغي للمرء ان يكون مكتوف الايدي لا يعمل وكان عمر رضي الله عنه يضرب من يجلس ويترك العمل يقول ان السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة
يقول المرء انا متوكل متوكل خذ بالاسباب فلا يجوز ان تقول انا متوكل وتغلق علي بابك تقول يأتيني الرزق من السماء افعل الاسباب مع الاتكال على الله جل وعلا ودل هذا دلت هذه الاية على ان سماع الخطبة واجب
وان الخطبة مع الجمعة تعويض عن الركعتين في صلاة الظهر صلاة الظهر اربع ركعات. والجمعة ركعتان فعوض عن الركعتين الفائتتين بخطبة الجمعة. ليحصل فيها الوعظ والارشاد والتذكير لعباد الله جل وعلا بما ينفعهم في حياتهم الدنيوية ومستقبلهم
وفي اخرتهم عند الله جل وعلا. لان الناس في حاجة الى التذكير والواو والبيان والايضاح فهم في حاجة ماسة الى ما يحيي قلوبهم لان التذكير بايات الله والتذكير بما عند الله جل وعلا
يحيى القلوب ويزول عليها الرام والغشاوة والظلمة بالتذكير بما عند الله جل وعلا من الثواب العظيم. لمن اطاعه واجتنب معصيته وان الاشتغال في الدنيا البحت والاهتمام بها والعمل من اجلها قد يضر المرء في دينه ودنياه
ويجعل على قلبه الران. الذي هو التغطية يغطيه عما ينفعه. فينهمك في شيء لا فائدة له منه في الدنيا ولا في الاخرة اذا اشتغل بالكسب فقط مع ان عنده ما يكفيه هل هو سيأكل باكثر من بطن
فاذا اشتغل بها بزيادة وترك طاعة الله فكأنما اشتغل بما يضره عما ينفعه. فالله يحذر عباده عن الالتفات الى ما يظرهم وترك ما ينفعهم. لان في اجتهاد المرء في طاعة الله جل وعلا مع
طلب الكسب الحلال هذا هو الذي يرضي الله جل وعلا. وكان الصحابة رضي الله عنهم ما يغفلون عن طاعة الله ويتكسبون ويشتغلون في الاسواق ويعملون بايديهم طلبا للرزق الحلال يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة
الى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ فقال الله تعالى واذا رأوا تجارة او لهوا انفضوا اليها وتركوك قائما اي على المنبر تخطب هكذا ذكره غير واحد من التابعين وزعم مقاتل ابن حيان ان التجارة كانت
ابن ابن خليفة قبل ان يسلم وكان معها طبل. فانصرفوا اليها وتركوا رسول الله. يروى انه صادف هذا اكثر من مرة ثلاث مرات او اكثر كلها تأتي التجارة في وقت صلاة الجمعة
ويخرج لها بعض الصحابة  نبههم الله جل وعلا على ذلك وان عليهم ان يقبلوا على ما يلقيه عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مما فيه حياة قلوبهم  انصرفوا اليها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر
ان القليل منهم وقد صح بذلك الخبر فقال الامام احمد حدثنا ابن ادريس عن جابر قال قدم سعير الى المدينة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب. فخرج الناس وبقي اثنا عشر
رجلا ونزلت واذا رأوا تجارة منهم جابر ابن عبد الله رضي الله عنه ومنهم على ما روي العشرة المبشرون بالجنة رضي الله عنهم  وقال الحافظ ابو يعلى عن جابر ابن عبد الله قال
بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قدمت عير الى المدينة وابتدرها اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا اثنا عشر رجلا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبقى منكم احد وسال بكم الوادي نارا ونزلت هذه الاية واذا رأوا تجارة او لهوا انفضوا اليها وتركوك قائما
وقال كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ابو بكر وعمر رضي الله عنهما وفي قوله وتركوك قائما دليل على ان الامام يخطب يوم الجمعة قائما
وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم خطبة يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر ويذكر الناس ولكن ها هنا شيء ينبغي ان يعلم وهو ان هذه القصة
لو قيل انها كانت لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة كما رواه ابو داوود في كتابه المراسيل ثم لما حصلت هذه الوقائع وخروج بعض الصحابة بعد الصلاة وقبل الخطبة
بدأ صلى الله عليه وسلم يقدم الخطبة قبل الصلاة حتى لا يخرج الناس فاستمرت السنة على هذا. بخلاف العيدين والاستسقاء سماع الخطبة ليس بواجب فكان بعد الصلاة وكان عليه الصلاة والسلام اذا صلى العيدين قال انا نختم فمن احب ان يجلس فليجلس ومن احب ان ينصرف
فلينصرف وكان بعض الناس ينصرفون بعد صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة العيدين ولم ينكر عليهم  كل ما عند الله اي الذي عند الله من الثواب في الدار الاخرة
خير من اللهو ومن التجارة. والله خير الرازقين لمن توكل عليه وطلب الرزق في وقته والله اعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
