الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على افضل الانبياء والمرسلين اما بعد فهذا لقاء جديد من لقاءات تفسير سورة الكهف في بيت الله الحرام ابتدأ فيه بالاية الرابعة والثلاثين بقوله تعالى
في الاية الثانية والثلاثين في قوله واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من اعناب وحذفناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين اتت اكلها ولم تظلم منه شيئا. وفجرنا خلالهما نهارا. وكان له ثمر فقال
لصاحبه وهو يحاوره انا اكثر منك مالا واعز نفرا حيث لا زال السياق في بيان ان العبرة بالصلاح وليست بكثرة اعراض الدنيا وقد ذكر الله جل وعلا نموذج ذلك في قصة
اهل الكهف فملك زمانهم مع ما اوتي من امور دنيوية كثيرة الا ان عاقبته شنيعة واولئك الفتية الذين اووا الى الكهف ليكون ذلك من اسباب صيانتهم من عبادة غير الله جل وعلا. فكانت العاقبة الحميدة لهم دنيا واخرة
وهكذا امر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بان يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وبين ان العبرة بنهايات الامور وعواقبها وكم من انسان اوتي بعض اعراض الدنيا فكانت وبالا عليه في الدنيا مع ما ينتظره من العقوبة في الاخرة
في سياق ذلك ظرب الله جل وعلا مثلين. احدهما قصة تصويرية تبين حقيقة هذه الدنيا والمثل الثاني ضربه الله جل وعلا للدنيا ككل فقال سبحانه واضرب لهم مثلا اي تكلم معهم ببيان مثال في قصة من القصص لرجلين احدهما قد شكر الله
جل وعلا على نعمه والاخر قد كفر الله قد كفر الله في نعمهم. وانظر لما كان منهم من ما كان لهم من العواقب في الدنيا من اجل ان يكون ذلك
محلا للاعتبار والاتعاظ  المراد هنا تعريف الناس ان اعراض الدنيا وزهرتها لا تعني وجود السعادة كاملة. ضرب الله جل وعلا مزالين مازالا لرجلين قال جعل لاحدهما جنتين اي  هيأ الله لاحد هذين الرجلين هو الرجل الكافر بستانين عظيمين
لدرجة ان اشجار كل بستان يغطي بعضها بعضا. وهذه البساتين من اعناب فهي من اشجار الاعناب الذي التي يوضع لها العريش قال وحففناهما بنخل اي ان الله جل وعلا قد جعل نخيل التمور
على اطراف ذلك البستان الذي من الاعناب. فاجتمع له ثمرتان عظيمتان. احداهما ثمرة التمر والثاني ثمرة الاعناب مع ما يوجد من منظر بديع في ذلك حيث ان النخيل قد حفت
وجاءت في جوانب النخل وجعل الله جل وعلا هناك زروع. قال وجعلنا بينهما زرعا. والزرع ما ليس له ساق من النبات. فانظر الى ذلك البديع وما فيه من الثمار فالحبوب تأتي من الزرع والثمار تأتي من
والنخيل وكلا الجنتين قد اتت اكلها. اي ان فيها من الثمار الشيء الكثير المتضاعف ولم تظلم منه شيئا. اي ان كل بستان من هذين البستانين قد اتى بثمار كثيرة ليس فيه نقص
وذلك ان المياه متوفرة. وحيث يوجد عندهما نهر ماء حلو متدفق وكان له ثمار كثيرة عظيمة وهذا المثال لمثال من اجتمعت عنده زهرة عظيمة وزينة كبيرة من الدنيا فيما يتعلق بامور
الزراعة فكان ما اتاه الله لذلك العبد سببا من اسباب افتخاره وظن ان درجته عالية. فقال لصاحبه وهو يحاوره على جهة الافتخار والترفع واستنقاص صاحبه. انا اكثر منك مالا. اي عندي اموال وفيرة
نفرا. فقال لصاحبه يعني المؤمن وهو يحاوره ان يتكلم معه على جهة المناقشة والمحادثة على جهة الافتخار والتكبر والترفع. انا اكثر منك مالا فعندي من النخيل والاموال والاعناب والزروع الشيء الكثير الذي ليس لديك مثله
وكذلك افتخر بان عنده من الحاشية والانصار من المماليك والخدم والشرط والاقارب ونحوهم فافتخر عليه بهذه الامور وهذه الامور هبات من الله جل وعلا. ولا ينبغي بالانسان ان ينسب نعم الله
جل وعلا لنفسه و قال ودخل جنته وهو ظالم لنفسه. اي قد اخطأ في حق نفسه. حيث ظن ان هذه النعم ستبقى ابد الابدين ولم يقدر ان الموت سيأتيه وانه سينتقل عن هذه الدار ولم يقدر
ان هذه النعم يمكن ان تزول في يوم من الايام. ولذا قال بظن فاسد ما اظن انت بيد اي ان تهلك وتظمحل هذه البساتين بدا لانه مطمئن الى الدنيا. راغب فيها قد نسي الاخرة. ولذا قال
وما اظن الساعة قائمة. يعني انه لا يوجد هناك يوم اخر يحاسب الله فيه العباد على حسب ظنه وما ظن الساعة قائمة ولو قدر ان الساعة قائمة فرجعت الى الله جل وعلا فانه سيعطيني خيرا من هذه في
يا فان من اعطاني هذه في الدنيا ما اعطانيها الا لمحبتي. هكذا يقول وبالتالي اذا جاء يوم القيامة على فرض وقوعه فسيعطيني الله جل وعلا خيرا منها منقلب اي الا انقلبوا اليه واعود اليه يوم القيامة
فاشتمل هذا اللفظ على انكار الاخرة وعلى الاستهزاء بدعوات الانبياء عليهم السلام قد يكون هذا الكلام على جهة الجهل حيث نسي ان الله تعالى قد يعطي بعض العباد في الدنيا ويمنعهم في الاخرة
ولا يعني هذا ان التكسب وامتلاك الاموال الكثيرة من الامور المذمومة فان الله تعالى قال واتى المال على حبه فلم يعيب عليه حب المال. وقال لن تنالوا البر حتى تنفقوا
مما تحبون وقال ان ترك خيرا فسمى اموال الدنيا خيرا. ولكن الاشكال في ان ينسب الانسان هذه الدنيا الى نفسه وينسى انها منحة من عند الله جل وعلا وينسى ان يقوم بواجب حق
فيها حينئذ انبرى له صاحبه المؤمن ليذكره بالله عز وجل ويخوفه منه على جهة المحاورة والنقاش فقال له صاحبه اي نصحه صاحبه وهو يحاوره ان يتكلم معه يراد الحديث فقال له
اكفرت بالذي خلقك من تراب فكر فانك قد وجدت من عدم وانت ستنتقل واذا كان الله قد اوجدك من التراب فانه قادر على ايجادك مرة اخرى ولذلك فربك الذي خلقك من تراب
ثم جعلك نطفة ثم سواك رجلا قادر على اعادتك مرة اخرى ثم له نعم عليك عظيمة. منها نعمة ايجادك ونعمة ما وهبه لك من النعم والمنعم حقه ان يشكر لا يكفر
ولذا قال لكنه والله ربي ولا اشرك بربي احدا. فقال له المؤمن على في هذه الاستدراك لم يوجدني من العدم الا الله. ولم يعطني هذه النعم الا الله. ولذلك فانا مقر بعبوديته
كما يفهم ذلك من لفظ الله ومقر بانه المنعم المتفضل كما يدل عليه اللفظ ربي ثم قال ولا اشرك بربي احدا اي لا انسب شيئا من النعم الى غير الله جل وعلا. وانما
لله سبحانه وتعالى. فاعترف بانها من عنده وانه هو الرب المتصرف في الكون وان العبادة حق خالص له سبحانه وتعالى. ومن هنا تكون نعمة الايمان اعظم من نعمة المال والولد. فان
نعمة الايمان يترتب عليها صلاح احوال الانسان في الاخرة ثم قال له انا مقر بانني اقل منك مالا وولدا وهذا عطايا من الله جل وعلا. فلا تفتخر علي بكثرة مالك. وكثرة ولدك
فان ما عند الله خير وابقى ولذا اتمنى على الله ان يعطيني افضل من جنتك التي فيها ذلك المنظر البديع واخشى عليك ان يرسل الله عليك حسبانا من السماء. اي عذابا من السماء
يحسب لك سواء كان من المطر العظيم ونحوه فانه اذا جاءك العذاب فان ذلك تلك البساتين ستصبح صعيدا زلقا اه اي تزول هذه البساتين بالكلية. ويتلف ما فيها من الثمار فيزول نفعها
او على الاقل اي وان يصبح ماء تلك البساتين غورا. اي يا اي يدخل في جوف في جوف الارض وبالتالي لا تستطيع له طلبا كونه قد دخل في الارظي وهذا المؤمن لم يدعو على هذا الرجل بزوال هذه الامور الا انه امل ان يكون ذلك
احسن لحاله لعله ان يعود الى الله وان يقوم بعبودية الله جل وعلا فان الدنيا قد غرت ذلك الرجل واطغته فلعل زوالها ان يكون سببا من اسباب اعادة في التفكير فيرجع الى الحق والهدى ويبصر
طريق الايمان فاستجاب الله جل وعلا دعاء ذلك الرجل المؤمن. فاحيط بثمره. اي انه جاءه امر مهلك بحيث اتلف جميع الثمار ولم يبق منها شيئا  اذا تلفت الثمار فان ذلك دليل على تلف الاشجار وتلف الزروع
فكان الامر كذلك وحينئذ جاء لذلك الرجل الكافر الندامة فاشتد عليه الاسف فاصبح يقلب كفيه ان يقوموا بوضع يده لكفه في يده اليمنى على كفه في اليد اليسرى ثم يقلبه
على الناحية الثانية كأنه يحسب ما انفقه في تلك الجنة وتلك البساتين. فانه قد انفق فيها نفقات دنيوية كثيرة فلما رأى ما حل ذلك البستان اذ محلت اماله ولم يبق عنده شيء من
العوظ في تلك الحال قال الرجل الكافر ويقول يا ليتني لم اشرك بربي احدا قال ولم تكن له فئة ينصرونه اي لم يكن عنده معاونون يعاونونه في دفع عذاب الله
وما كان منتصرا. اي لم يكن الا خائبا منهزما. لما نزلت به عقوبة الله جل وعلا والله جل وعلا لا يقدر احد ان يغالبه في كونه وقدره  كان ذلك من اسباب رجوع ذلك العبد الى الله جل وعلا وعوده الى رب العزة
والجلال. ولذا قال يا ليتني لم اشرك بربي احدا وهذا دليل على انه عاد الى الايمان ولعل الله جل وعلا عوضه خيرا من بستانه الاول ثم قال تعالى هنالك الولاية لله الحق
هو خير توابا وخير عقبا في تلك الحال التي وضع الله فيها العقوبة على اهل الطغيان ممن قدموا الدنيا ونسوا الاخرة فحينئذ علم اصحاب ذلك الحال ان العقوبات تكون على من ترك شكر الله جل وعلا
ومن هنا قال هنا لك الولاية لله ففي هذا دلالة على ان الولاية الحق لله جل وعلا. فمن اراد ان يكون وليا لله جل وعلا فعليه بالتمسك بشرع ودينه ثم قال هو خير ثوابا وخير عقبى. اي ان الله جل وعلا
يعطي الثواب الجزيل والعاقبة الحميدة لمن جل وعلا فيكرمه الله بانواع الخيرات ويدفع عنه الشرور بانواعها وبالتالي نعلم ان ثواب الاخرة هو الذي تتعلق به النفوس ومن هنا  عرفنا شيئا من قصة هؤلاء الرجلين اللذين ضربهما الله جل وعلا
لولا اذا اذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله ان تراني انا اقل منك مالا وولدا فيكون هذا اللفظ مما يشرع ان يقوله العبد حينما يرى شيئا من نعم الله
سبحانه وتعالى عليه ففي هذه القصة تقريب المعاني الشرعية براد القصص. وان ذلك جائز لا حرج فيه وفي هذه الايات من الفوائد ان العبد لا ينبغي به ان يستنقص نفسه لقلة
التي امور الدنيا فيما بين يديه. فان الله جل وعلا يبقي للانسان مكانته و منزلته وفي هذه الايات ان العبد يجوز له ان يدعو على صاحب دنيا لتزول الدنيا عنه متى ظن ان ذلك من اسباب
صلاح حال ذلك الرجل وفي هذه الايات ايضا من الفوائد جواز ضرب الامثال من اجل تقريب المعاني وفي هذه الايات من المعاني والفوائد ايضا جواز زراعة العنب وحلوا ثمرتها وجواز زراعة النخيل تحل ثمرتها
وجواز زراعة المزروعات من الحبوب ونحوها وفي هذه الايات ان الله جل وعلا قد يتفضل على العباد بان يقدر لهم ما يكون سببا من اسباب بقاء النعم عندهم من شكر الله جل وعلا. ومن نسبة النعم اليه
سبحانه وتعالى وفي هذه الايات قدرة الله جل وعلا على ابداع نهر في الكون قبل ان يكون له مثل سابق وفي هذه الايات استحباب المناقشة التي يكون لها اثرها الحميد في صلاح احوال الانسان
وفي هذه الايات ان العبد لا ينبغي به ان يفخر بما اتاه الله من الاموال والاولاد فهي هبات من الله قد تزول في لحظات وفي هذه الايات ان من اعظم ظلم الانسان لنفسه ان يجحد نعمة الله عليه
وفي هذه الايات ان المعارضين من الكافرين والمنافقين انما يبنون احوالهم واحكامهم على ظنون مجرد يظنون صدقها وفي هذه الايات اثبات قيام الساعة. وان العباد يحاسبون فيها على اعمالهم وفي هذه الايات ان صلاح احوال العبد في الدنيا
لا تعني صلاح احواله في الاخرة وفي هذه الايات ايضا انه لا يكون هناك خلود في الدنيا. فكل ما في الدنيا هالك وفي هذه الايات ان من اثر عنه منازعة في الله فينبغي تذكيره بادلة الربوبية
التي يعرفها المخاطب وفي هذه الايات ان العبد ينبغي به عند دخوله لشيء من نعم الله عليه ان يثني على الله سبحانه وتعالى  وان يربط الامر بمشيئته. فاذا رأى ما يعجبه ويسر به
قال ما شاء الله لا قوة الا بالله وفي هذه الايات تمنى الانسان من ربه خيري الدنيا والاخرة وان ذلك لا ينقص من درجة العبد وفي هذه الايات ان المفاضلة في امور الدنيا تكون بالتقوى
ولا تكونوا بمال ولا ولد وفي هذه الايات تعلق الانسان بقلبه بالله جل وعلا في ان يؤتيه نعمه وفي هذه الايات ان عقوبة العباد على اعمالهم انما تجري بقضاء من الله جل وعلا وقدر منه سبحانه وتعالى
وفي هذه الايات السعي الى استجلاب المياه للزراعة وعدم التقصير في مثل ذلك وفي هذه الايات ان الله جل وعلا ينصر انبيائه واولياءه والصالحين من عباده علماء الشريعة بان يجري على ايديهم من الكرامات
ما يكون سببا من اسباب صلاح احوالهم ولذا نفرق بين الكرامة والمعجزة فالكرامة قد تؤتى لغير الانبياء والمعجزات لا تؤتى الا للانبياء والكرامة تكون من اجل ان ينتفع الانسان بمقتضى تلك بمقتضى تلك الكرامة
بينما المعجزات انما اوتي بها من اجل التحدي الذي يكون بين الانبياء عليهم السلام واقوامهم بارك الله فيكم ووفقكم الله لكل خير وجعلني الله واياكم من الهداة المهتدين كما نسأله سبحانه ان يوفق الجميع لما يحب ويرضى وان يرزقنا واياكم علما نافعا وعملا صالحا
ونية خالصة هذا والله اعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
