الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على افضل الانبياء والمرسلين اما بعد فلما ذكر الله جل وعلا في سورة الكهف قصة اهل الكهف الذين اثروا الاخرة على الدنيا فهربوا بدينهم
من اجل الا يجبرهم ملك زمانهم على اتخاذ الهة من دون الله جل وعلا وذكر سبحانه امره للنبي صلى الله عليه وسلم بان يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه
وان يكون مع المؤمنين ولو كانوا فقراء وان لا يكون مع الظالمين ولو كانوا اقوياء اغنياء ثم ذكر الله جل وعلا المثل العظيم بالرجلين صاحب صاحب الجنتين  كيف انه لما
ترك الايمان بالاخرة ولم يأكل من شأنه ان يستعد لها كان ذلك من اسباب زوال نعمة الله عنه في الدنيا ثم ضرب الله جل وعلا مثلا لهذه الدنيا فقال سبحانه
واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كما وهذا الامر كما يتوجه للنبي صلى الله عليه وسلم يتوجه لكل مؤمن بان يقوما بضرب هذا المثل للناس ليعرفوا حقيقة الدنيا وضرب المثل يراد به
ان ان يشبه الشيء بغيره. مما يعرف قيمته ولذا شبه الدنيا بالماء النازي من السماء لتعرف حقيقة الدنيا وليعرف ان الدنيا انما هي ممر ومعبر ومزرعة للاخرة فقال واضرب لهم مثل الحياة الدنيا
اي ان مما يشابه هذه الحياة الدنيا ذلكم الماء النازل من السماء وسميت حياة لان الناس يحيون فيها حياة مؤقتة وقيل لها الدنيا اما لقلتها وحقارتها او لقربها لحال المخاطبين
ان فشبهها بالماء يعني مطر السما انزلناه فالله هو الذي انزل هذا الماء وهو الذي قدر وجود الامطار  والسماء هنا يراد بها العلو مطلق العلو ليست السماء المحكمة ذات الابنية
فاختلط به نبات الارض اي ان هذا المطر نزل على الارض نبتت انواع النبات ومن ثم اختلطت هذه النباتات لكثرتها سواء من ازهار الصحاري والبراري. او من اشجارها. فوجدت انواع
كثيرة متعددة اختلطت فيما بينها. فقوله فاختلط يعني فنزل الماء من السماء فنبتت الارض فنتج عن ذلك ان ان النباتات اصبحت كثيرة ومتنوعة ومن ثم اختلط بعضها ببعض وما هي الا مدة يسيرة
حتى جاءت الشمس فجففت ذلك النبات ثم بعد ذلك تقطع وجائته الرياح فذرته ولذا قال فاصبح هشيما يعني لان ذلك النبات بدل خضرته ويناعته انقلب لان يكون نباتات قد تقطعت وتهشمت وتكسرت بسبب
قلة الماء الوارد عليها تذره الرياح اي ان الهوى يقوم بتصريف اجزاء ذلك النبات بعد تقطعه فهذا مثل الدنيا انما هي بهارج وزينة مجردة وهي عما قريب زائلة والقيمة الحقيقية للدنيا ان يجعل الانسان هذه الدنيا مزرعة للاخرة
بحيث يقدم عملا صالحا ينتفع به تلك الدار قال وكان الله على كل شيء مقتدرا. فهو سبحانه لا يعجزه شيء. قادر على ان يدبر من تصاريف الامور ما تعجز الاذهان عن ادراك كونه
ثم بين جل وعلا ما في هذه الدنيا من افضل زيناتها. ولذا قال المال والمراد بالمال كل ما يتمول ويملكه الانسان وليس المراد بالمال مقتصرا على النقود فقط بل المال يشمل كل ما يتمول ويمكن ان يباع
والبنون فالقصور مال والنخيل والمزارع والبساتين مال الثياب والمراكب مال والمساكن بانواعها مال واما البنون فالمراد بهم ابناء ابناء الانسان الذكور لان الانسان عند رؤيته لهم يعتقد انه انهم سيكونون سبب عز له
وقال زينة الحياة الدنيا اي هذه غاية زينة الدنيا. وغاية ما يمكن ان يتجمل به في هذه الدنيا والبنون ثم ذكر امرا ثالثا الا وهو الباقيات الصالحات المراد بها الاعمال الصالحة التي ينتفع بها في الاخرة
فيبقى اجرها وثوابها الى قيام الساعة. ولذا قال والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ام لا العمل الصالح من صلاة وصيام وحسن ظن بالله جل وعلا وخوف منه ورجاء له
وتوكل عليه فهذه كلها من الباقيات الصالحات ومن الباقيات الصالحات الذكر الذي يذكر الانسان به ربه فهذه هي الباقيات الصالحات خير عند ربك خير عند ربك ثوابا فاجرها وثوابها اعظم من ثواب مثيلاتها. والباقيات الصالحات
خير عند ربك ثوابا اي اجرا يعطيه الله عز وجل لمن عمل ذلك. وخير ام لا. اي ما يؤمل فيه  ثم قال تعالى ويوم نسير الجبال فترى الارض بارزة. هذا فيه ذكر شيء من
الوقائع المستقبلية مما يدل على صدق هذا الكتاب. فقال ويوم يعني واذكر ذلكم اليوم الذي  نسير فيه الجبال. اي اننا نجعل تنقلب الجبال لتكون سرابا. يشاهد انها تنتقل من مكان الى مكان
مع الريح فبعد ان كانت الجبال في الدنيا راسية راسخة لا يخشى من ان يقوم احد بزلزلتها او تحريكها الا انه مع وجود هذه الالات يمكن ان يرتب امرها وترى الارض بارزة
اي ان قالوا ويوم نسير الجبال وترى الارض بارزة. يعني انها ظاهرة ومرتفعة. بحيث يشعر كل انسان انه المعني قال وحشرناهم اي ان الله جمعهم جمع الناس جميعا في يوم المحشر. فلم نغادر منهم احد
اي ان هذا الحشر يشمل جميع افرادهم ذكورا واناثا صغارا وكبارا وفي ذلك اليوم العظيم عرظوا اي انهم اوتي بهم ومروا من عندي وعرضوا عن ربك صفا. فقد جاءهم من جاهم وحاول ان
يثنيهم عن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وعرضوا على ربك صفا. لقد جئتمونا اي حضرتم الينا كما خلقناكم اول مرة في صفتكم الاولى بل زعمتم يعني في وقت اخر زعمتم ان لن نجعل لكم موعدا
اي انهم استنقصوهم بسبب وظعهم لهذا المكان قال ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين فيه ايؤتي بسجل الاعمال التي احصيت فيها اعمال بني ادم. فجعل ذلكم الكتاب بينهم. وحينئذ كان المشركون يشفقون على النبي صلى الله عليه وسلم
و لذا لم يرغبوا في ذلك وكانوا يحاولون ان يصرفوا هم عن ذلك ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها فالمشركون في ذلك اليوم المجرمون يخشون مما وقع منهم من الذنوب والمعاصي
كما فلما رأوا ان الناس قد جثوا على ركبهم ينتظرون القضاء. ثم بعد ذلك اوتي بهم يعرضون على الله واحدا واحدا. لقد جئتمونا كما خلقناكم اول مرة كما خلق الله الخلق فانه قادر على اعادته
بل زعمتم ان لن نجعل لكم موعدا. لانهم اختلفوا في اليهود الذي يصبر احوال القوم قال ووضع الكتاب لانه قد جعل فيما بينهم فترى المجرمين مشفقين مما فيه. اي من كان عندهم اخطأ او اختلاسات يخشون ان تكتشف في ذلك
اليوم والله تعالى كما قال وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا ثم ذكر الله جل وعلا وقوف المؤمنين صفا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم اول مرة بل زعمتم ان لن نجعل لكم موعدا. يقولوا ما في موعد يقولون لا يوجد موعد لقيام الساعة
ثم قال ووضع الكتاب اي سجلات الاعمال التي سجلت فيها اعمال بني ادم فحينئذ ترى المجرمين الكافرين المعاندين الظالمين فترى المجرمين مشفقين مما فيه. ان يخشون من عواقب ذلك الكتاب
حيث سجلت اعمالهم فيه مشفقين مما فيه ويقولون اي لسان حالهم ومقالهم بهم يا ويلتنا دعوا على انفسهم بالثبور لان هذا الكتاب قد سجل جميع اعمالهم فلم يترك منها صغيرة ولا كبيرة الا احصاها
وجدوا اعمالهم حاضرة قد سجلت جميعا ولا يظلم ربك احدا فلا ينزل باحد عقوبة الا اذا كان عنده من المخالفة ما يتناسب مع تلك العقوبة. فهذه ايات عظيمة فيها فوائد وحكم كثيرة
فمن تلك الفوائد والاحكام مشروعية ضرب الامثال لتقريب المسائل الى الاذهان. خصوصا فيما يتعلق بمسائل الوصول اليقينية من فوائد هذه الايات جواز المحاجة والمجادلة التي يتوصل بها الى الحق لقوله واضرب لهم
وفي هذه الايات جواز استعمال الامثلة تمثيل شيء من الوقائع بذلك وفي هذه الايات بيان حقيقة الدنيا وانها عما قريب زائلة وفي هذه الايات ان الاصل في المياه النازلة من السماء انها
على الطهارة وفي هذه الايات جواز اكل نباتات الارض ما لم يكن الشأن في عدم اكلها وفي هذه الايات قدرة الله جل وعلا حيث لا يعجزه شيء في هذه الايات
ان المال والبنين هم زينة الحياة الدنيا. فيدخلون لعلى الانسان سرورا في قلبه وفي هذه الايات الترغيب في الباقيات الصالحات تكثير الاجر المرتب عليها وفي هذه الايات ان الله جل وعلا يقدر سير الجبال
ومن ذلك سير ما يكون قريبا من اهل الاسلام. واذا اراد الانسان ان يعتمر بعد ذلك ركبا آآ آآ ركب معه وفي هذه الايات ان الله جل وعلا قد اذن لعموم المسلمين بان يصلوا على نبيه صلى الله عليه وسلم
وفي هذه الايات ان العذاب واقع في وقته لا محالة. ولا يتمكن احد من الغاء ذلك العقاب الا بالغاء اسبابه وفي هذه الايات شفقة شفقة الله جل وعلا على العباد
وفي هذه الايات ان جميع اعمال بني ادم مسجلة سواء كبرت او كانت صغيرة ولم يذكر في هذه الايات انه استعمل شيئا من هذه الالبان ام انه استعمل شيئا من هذا الاحصاء
وفي هذه الايات ان العبد في يوم القيامة اذا قدم على الله جل وعلا وجد اعماله تنتظره ليكون ذلك من اسباب ترتيب احواله وفي هذه الايات تخوف العباد مما سجل في هذه السجلات اذ
لم يتركوا شيئا الا قد سجلوه وفي هذه الايات بيان ان الكتاب الذي يخص بالانسان لا زال محفوظا محصى فهذا شيء من الاحكام والاداب المأخوذة من هذه السورة العظيمة سورة الكهف
اسأل الله جل وعلا ان يوفقنا واياكم لكل خير. وان يجعلنا واياكم هداة مهتدين كما نسأله جل وعلا ان يوفق المسلمين في مشارق الارض ومغاربها. وان يعطيهم من الرأي والفكر ما يجعلهم يذهبون
الى ما اعطاهم من الذهن والفكر ما يجعلهم يلتزمون بما ورد في شرع رب العزة والجلال. بارك الله فيكم ووفقكم الله للخير وبارك الله في كل من هيأ هذا اللقاء معنا كما نسأله جل وعلا صلاحا
الناس واستقامة لامورهم هذا والله اعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
