ده الحمد لله رب العالمين نحمده جل وعلا اعطانا من النعم الشيء الكثير فله المن وله الثناء وبعد فهذا درس جديد من دروس تفسير سورة الكهف حيث كان من اواخر ما اخذنا
تفسير قصتي موسى مع الخضر وكان من اواخرها تفسير الخضر لي ما وقع عليهم وما مر بهم من الوقائع فقال اما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فاردت ان اعيبها
فنسب تلك الارادة الى نفسه وذلك لانه ربطها بالعيب في قوله ان اعيبها ولذا لم ينسبها لله عز وجل. وانما نسبها الى نفسه ثم في قصة الغلام قال فاردنا ان يبدلهما ربهما خيرا منه
وذلك ان قصة الغلام فيها جانبان الاول قتل الغلام. والثاني تبديله باخر فجمع الارادتين بقوله فاردناه واما الثالث  مسألة الجدار حيث قال فاراد ربك ان يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما فكان ذلك
منسوبا الى الله جل وعلا اذ لا عيب فيه ولاحظ انه قال هنا رحمة من ربك وقال في اواخر هذه السورة لما ذكر ما يتعلق السور قال هذا رحمة من ربي
وبعد في هذا اليوم نتناول قصة ذي القرنين وذو القرنين ملك صالح ملك الدنيا فنوه الله بذكره  جامع قصته مع ما مضى انه كان يطوف البلدان ويتنقل من مكان الى مكان
تقربا الى الله جل وعلا فترك شيئا من امور الدنيا ليدرك امورا اخرى من اجل ان يكون ذلك سببا من اسباب صلاح اخرته وقد سأل بنو اسرائيل عن قصة هذا الرجل
ولذا قال تعالى ويسألونك اما يهود المدينة واما قريش مكة عند القرنين اي يطلبون منك خبر هذا الرجل وقد سمي بهذا الاسم لانه كان يضع على رأسه قرنين فعرف بهما
فقال الله جل وعلا قل اي بين لهم انك ستذكر بعض اخباره ولذا قال ساتلوا اي ساقرأ وساعرفكم منه ذكرى ساتلو عليكم منه ذكر اي من ذي القرنين ما يتعلق بالتذكر وما يكون سببا من اسباب الاتعاظ
فكأنه قال لن اذكر جميع اخباره وانما سأذكر ما يحصل به الاتعاظ والتذكر  قال تعالى انا مكنا له في الارض لانه كان ملك زمانه فاعطي من امور الدنيا الشيء الكثير
فقال انا مكنا له في الارض فكان ما اعطاه الله اياه من امور الدنيا سببا من اسباب قيامه بعبودية الله جل وعلا فقد ذكر الله جل وعلا اصحاب الكهف ولم يكن عندهم من الدنيا شيء
ثم ذكر قصة الخظر وبين ان الله اتاه العلم وثم ذكر قصة ذي القرنين حيث اتاه الله جل وعلا بسطة الدنيا والملك فيها قال تعالى واتيناه من كل شيء سببا
اي اعطيناه جميع الاسباب والوسائل التي توصل للمقاصد وما يريده وحينئذ اتبع سببا اي انه اراد السبب وفعله وبالتالي مكنه الله جل وعلا من امور في الدنيا لم يتمكن منها غيره
ولذا قال حتى اذا بلغ اي اذكر حوادثه وقصصه وملكه وتصرفه في اتاه الله جل وعلا. ومن ذلك انه واصل حتى اذا بلغ مغرب الشمس اي الموطن الذي تغرب فيه الشمس بحسب رؤية الناس. وجدها تغرب في عين حمية. اي
في ماء وبئر حار ووجد عندها قوما اي على ساحل ذلك البحر وجد عندها طائفة من الناس تاء فجاء الوحي لذي القرنين بان يختار فيهم ما يشاء وذلك لان ذا القرنين من الصالحين ومن العلماء
وبالتالي لن يوقع على احد من الناس شيئا الا بما يتناسب مع حاله. ولذا فوض في  فقالوا يا ذا القرنين اما انت بالخيار اما ان تلحق بهم العقوبة والعذاب واما ان تحسن اليهم
قال ذو القرنين الناس ينقسمون الى قسمين اما من ظلم بالمعصية والذنب ظلم نفسه فهذا له العقوبة والعذاب ولذا قال فسوف نعذبه اي نعاقبه بحسب ما عنده من المخالفة ثم اذا مات
فانه يرجع الى الله ويرد الى ربه فيعذبه رب العزة والجلال في نار جهنم عذاب النكرا اي تنكره نفسه ولا تستطيع ولا تقدر على مقابلة  واما الطائفة الثانية فهم من امن
ان يوحد الله جل وعلا في افعاله بتوحيد الربوبية وفي افعال العبد بتوحيد الالوهية فجعل عباداته كلها لله لا وعمل صالحا بمعنى انه ادى الواجبات الشرعية فله جزاني الحسنى. فاننا
قبلوا فعله الجميل المقابلة الحسنة الطيبة بما يتناسب مع فعله وسنخاطبه بالخطاب الحسن الذي فيه تسهيل اموره وتيسيرها. ولذا قال وسنقول له من امرنا يسرا ثم ترك تلك الجهة جهة مغرب الشمس
فتنقل في الارض واتبع سببا اي ذهب ليزاول الاسباب المؤدية الى تحقيق كالمقاصد والغايات حتى اذا بلغ ووصل مطلع الشمس اي المكان الذي تطلع منه الشمس بحسب رؤية الناس على الارض
فقوله مطلع الشمس يعني المكان الذي تطلع عليه الشمس اولا من امكنة الأرض وجد الشمس تطلع على قوم لم يجعل الله لهم من دونها سترا فلا يوجد حاجز من جدار او جبل يحجز عنهم الشمس
يبدو انهم لم يكن عندهم من المنازل والمساكن ما يستر عنهم الشمس قال تعالى كذلك يعني نحن الذين مكناهم من الوصول الى هذه المواطن واتيناه الاسباب التي يتمكن بها من بسط ملكه على هذه الارض
وقد احطنا اي ان علم الله جل وعلا بجميع ما يقع منه محيط بكل جهة من جهات الوقائع التي وقعت لديه. وقد احاطنا بما لديه براء ثم اتبع سببا تنقل في الارظ وسار على مقتضيات الاسباب
التي تؤديه الى مواطن اخرى حتى اذا بلغ بين السدين اي وصل الى مكان اخر غير مكاني طلوع الشمس ومكان غروبها وكان ذلك المكان بين سدين اي بين جبلين عظيمين يسدان الافق
واكثر اهل العلم على ان ذلك في شمال الارظ وذلك ان هذا الموطن لا يوجد فيه شروق للشمس ولا غروب لها وهذا لانها لا تغيب عنهم قال فلما وصل الى ذلك المكان
وجد من دونهما يعني من دون السدين قوما وجماعة لا يكادون يفقهون قولا ان عندهم لغة اخرى يتكلمون بها. ومن ثم تلك اللغة مغايرة للغة التي يتكلم بها التي يتكلم بها ذو القرنين
لكن بينهما اشياء مشتركة كثيرة. ولذا قال لا يكادون يفقهون قول اي يمكن انهم لا يفهمون بعض اقوالهم والفاظهم وحينئذ طلبوا من ذي القرنين ان يجعل بينهم وبين من وراء هذين
تا الدين حاجزا. فقالوا يا ذا القرنين ان يأجوج ومأجوج وهما قبيلتان عظيمتان من بني ادم بمفسدون في الارض ان من شأنهم ان يزيلوا الخير والصلاح من الارض والافساد قد يكون بافساد امور الاخرة. وقد يكون بافساد امور الدنيا
فحينئذ طلبوا من ذي القرنين ان يجعل لهم خرجا. فقالوا فهل نجعل لك خرج اي نعطيك اجرة تقوم نقوم بدفعها لك على ان ان تجعل وتضع بيننا وبين يأجوج ومأجوج سدا وجدارا يحجزهم
عنا وحينئذ تعفف ذو القرنين عن ان يأخذ منهم الاجرة وحقق لهم مطلوبهم بدون اجرة فقال ما مكني فيه ربي خير اي ما اعطاني الله جل وعلا من القدرات والامكانيات
فاني سابذله معكم في وضع هذا السد بينكم وبين يأجوج ومأجوج مما يكون خيرا لكم يبعد عنكم اذاهم وافسادهم. وحينئذ طلب انهم ان يعينوه بقوة ان يساعدوه بقوة وذلك في النفخ في النار
من اجل ان يبني هذا السد. فقال فاعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم بما اي اضع حاجزا يحجز بينكم وبين هؤلاء القوم المفسدين الذين تخشون من تادهم فطلب منهم ان يحظر
عقداء الحديد وزبراء الحديد. حتى اذا ساوى بين الصدفين الا انفخوا فطلب منهم ان يحظروا له ان يحظروا له شيئا من الامور التي تعينه على القيام ببناء ذلك السد. فقد طلبوا
مدة اجرة وخراج ولكنه تقرب الى الله جل وعلا بان يبني هذا الحاجز. وقال ردما اي حاجزا حصينا والردم اكبر من السد واقوى منه  زبر الحديد اي القطع التي تكون في الحديد. وقال في هذه
الايات  اتوني زبر الحديد حتى اذا ساوى بين الصدفين يعني بين الجبلين اصبح ما بين الجبلين متساويا حينئذ قال لهم انفخوا وفطلب منهم ان ينفخوا في ذلك الجانب وامرهم ان يأتوا بالنحاس المذاب او الرصاص من اجل ان يكون
سدا يسد بينهم وبين يأجوج ومأجوج حتى اذا جعله نارا فاحرق النحاس واذابه حينئذ جعله حاجزا يحجز بين يأجوج مأجوج حتى اذا جعله نارا قال اتوني افرغ عليه قطرا  بنى لهم
اه بنى لهم ذلك الحاجز العظيم الذي كان من اسباب امتناع وصول يأجوج ومأجوج اليهم وذلك ان هذا الحاجز من النحاس ونحوه يمنعهم قال تعالى فما اسطاعوا ان يظهروا وما استطاعوا له نقبا
يعني ان يأجوج ومأجوج لم يستطيعوا ان يعلو على ذلك السد وان يتجاوزوه وهكذا لم يستطيعوا خرقا لذلك السد فيتمكنون من مجاوزته ولذا قال تعالى قال هذا رحمة من ربي. اي ان هذا
العمل الذي قمت به من بناء هذا الحاجز والردم والسد العظيم. انما هو فظل من الله جل وعلا رحمني به ورحمكم به ولكن هذا الحاجز في يوم من الايام سيسقط وذلك في اخر الزمان
ويكون هذا من اسباب تسلط يأجوج ومأجوج على من في الارض. قال فاذا جاء وعد ربي جعله دكا اي اذا جاء الميقات المع وعود والزمان المذكور المعروف عند الله جل وعلا في اخر الزمان جعل الله تعالى ذلك السد دكا
اي متساويا مع الارظ وكان وعد ربي حقا. فان وعد الله جل وعلا لا يمكن ان يتخلف فهذه ايات عظيمة فيها حكم واحكام. فمن ذلك ان الله جل وعلا انما يذكر
في كتابه من قصص الماضيين ما يحصل به الاتعاظ والذكر. واما ما لا ثمرة للناس منه فانه لا يذكر في قصص القرآن وفي هذه الايات ان حصول شيء من نعيم الدنيا
او من ملكها لدى احد من العباد لا يدل على نقصان درجته عند الله جل وعلا بل ان استعملها في طاعة الله كان ذلك من اسباب رفعة درجته. ولذا ذكر النبي
صلى الله عليه وسلم ان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله له الامام العادل ومن هنا نعرف ان من الخطأ ما يفسر به بعضهم مفهوم الزهد بانه ترك الدنيا. وهذا خطأ
فالدنيا لم يأتي الشرع بالترغيب في تركها. وانما جاء الشرع بالترغيب في استعمالها فيما يعود بالنفع والخير على العبد في اخرته وفي هذه الايات ان الله جل وعلا قد يتفضل على بعض العباد بان يؤتيه من المقادير ومن
الاسباب ما لا يؤتيه احدا غيره وفي هذه الايات ان من كان عنده شيء من نعيم الدنيا وخيراتها وفضائلها فان ذلك انما كان له بفظل الله جل وعلا وبتمكينه سبحانه وتعالى. فهو المعطي
الذي يعطي الى اشياء وقد يعطي الاشياء ابتداء وقد يعطيها ببذل اسبابها وفي هذه الايات مشروعية بذل الاسباب والاقدام عليها. فليس من التوكل على الله ان يترك العبد بذل الاسباب. بل بذل الاسباب من القربات
فلا يقولن قائل اريد ولدا في دنيانا تزوج ولا تسرع. ولا يقول ولا يقولن قائل اريد ما لا بدون ان يكون منه سبب لذلك وليعلم بان السبب والاثار والنتيجة كلها من عند رب العزة والجلال. فقد لا توفق لفعل السبب
وقد لا توفق تملك الاسباب فقد تكون الاسباب عندك ميسورة وقد لا تكون وقد ليكون منك فعل للسبب وقد لا يكون وفي هذه الايات وصف الشمس بالطلوع والغروب. بحسب المكان الذي تطلع عليه
وقوله في عين حمية اي في ماء وطين فيه شيء من الحرارة وفي هذه الايات ان الله جل وعلا امر العباد بان لا يلحقوا العقاب والعذاب باحد من الناس الا
اذا كان عنده سبب لذلك العذاب والعقوبة وفي هذه الايات ان الظلم من اعظم اسباب نزول العقوبات وترتيب العقوبات على اصحابها وقد استدل بهذه الاية على جواز التعزير من الامام
لمن اقدم على فعلي امر مخالف للشرع ظاهرا على وجه يشاهده الناس. ولذا قال من ظلم فسوف نعذبه وفي هذه الايات ان اهل الاحسان حقهم ان يحسن اليهم. وان يقابل احسانهم بالجزاء المناسب
لاحسانهم وفي هذه الايات ان من سنة الله في الكون ان اصحاب الايمان والعمل الصالح ييسر الله لهم امورهم يجعلها هينة سهلة وفي هذه الايات جواز جلوس الانسان في الشمس وبقاؤه فيها
كما ان هؤلاء القوم كانوا كانت الشمس تطلع عليهم ولم يكن لهم من دونها سترا وفي هذه الايات ان علم الله جل وعلا محيط بالوقائع والحوادث وان الله جل وعلا لا يخفى عليه شيء من احوال الناس
وفي هذه الايات ذكر ذي القرن ذكر يأجوج ومأجوج وانهما قبيلتان عظيمتان من شأنهم لافساد في الارض وفي هذه الايات ان هناك دلالة على وجود مواطن في الارض لا تغيب الشمس عنها ابدا
وفي هذه الايات ذكر يأجوج ومأجوج وانهم حقيقة واقعة وانهم سيفتح لهم الردم في اخر الزمان قد قال النبي صلى الله عليه وسلم ويل للعرب من شر قد اقترب فتح من ردم يأجور
مثل هذه واشار باصابعه صلى الله عليه وسلم وفي هذه الايات جواز ذكر معايب انسان. اذا كان على جهة التقاظي او على جهة كف ما لديه من الشر. فانهم قالوا عن يأجوج ومأجوج بانهم مفسدون
في الارض وفي هذه الايات جواز عقد الاجارة على عمل فان هؤلاء القوم قالوا لذي القرنين نجعل لك خرجا على ان تجعل بيننا وبينهم سدا فهذه اجارة على عمل وقد حدد العمل فيها
وفي هذه الايات ايضا تنزه الانسان عن اخذ الاجرة على الاعمال الصالحة التي يكون لها اثر في صلاح احواله الناس وفي هذه الايات دلالة على مشروعية رد اهل الفساد عن فسادهم كما رد
ذو القرنين يأجوج ومأجوج عن افسادهم في الارض وفي هذه الايات مشروعية التعاون على البر والتقوى. بما يعود على الاخرين بالنفع. ولذا قال فاعينوني بقوة  في هذه الايات جواز ذكر الانسان لخططه المستقبلية ومشاريعه الاتية. كما قال
اجعل بينكم وبينهم ردما وفي هذه الايات جواز الانتفاع بما على الارض من انواع ما فيها من حديد وغيره وفي هذه الايات جواز عمل الانسان في الحدادة. وانه لا حرج عليه في ذلك
وفي هذه الايات التعاون على البر والتقوى كما في قوله قال انفخوا وقال فاعينوني وفي هذه الايات جواز استعمال النحاس فيما يعود بالنفع والخير على الناس وفي هذه الايات معجزة كونية حيث اخبر ان يأجوج ومأجوج لن يظهروا على ذلك السد ولن
كانوا من نقبه الى ان يأتي وعد الله جل وعلا وفي هذه الايات ان من رحمة الله سبحانه وتعالى بالعبد الا يمكن اعداؤه من اذاه وفي هذه الايات نسبة الفضل الى الله جل وعلا. فهو المتفضل بالتالي لا ينسب
تنوي الى نفسه شيئا من امور الدنيا وانما هي محض فضل من الله جل وعلى ورحمة منه سبحانه وتعالى. فهذه ايات عظيمة فيما يتعلق بتفسير سورة الكهف ولعلي ان شاء الله في الدرس القادم اختم هذه السورة المباركة
بارك الله فيكم ووفقكم الله لكل خير. وجعلني الله واياكم من الهداة المهتدين. هذا والله واعلم صلى الله على نبينا محمد وعلى اله واصحابه واتباعه وسلم تسليما الى يوم الدين ختم الله لكم شهر رمضان برظوانه واعلى عندكم درجاته كما
تماثله سبحانه ان يصلح احوال المسلمين وان يجعلهم هداة مهتدين هذا والله واعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
