بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالديه ولمشايخه ولجميع المسلمين امين. نقل الشيخ الحافظ النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين في
فبفضل الزهد في الدنيا عن عمرو بن عوف الانصاري رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ابا عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه للبحرين يأتي بجزيتها
فقدم بمال من البحرين فسمعت الانصار بقدوم ابي عبيدة. فوافوا فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال اظنكم سمعتم ان
ان ابا عبيدة قدم بشيء من البحرين فقالوا اجل يا رسول الله. فقال ابشروا وامنوا ما يسركم. فوالله ما الفقر اخشى عليكم. ولكني اخشى ان تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم. فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما اهلكتهم. متفق عليه. بسم الله الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا الحديث فيه ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث ابا عبيدة عامر ابن الجراح وهو احد السابقين الى الاسلام واحد العشرة المبشرين بالجنة. بعثه النبي صلى الله عليه وسلم الى البحرين
والمراد بالبحرين هنا ما بين هجر الى البصرة. يعني ما بين الاحساء الى البصرة في العراق وليس المراد البحرين الدولة المعروفة التي هي مملكة البحرين بل البحرين عند العلماء سابقا يشمل كل ما كان بين
التي هي الاحساء الى البصرة فكله يسمى بالبحرين. بعثه لاخذ الجزية من اهلها وكان غالب اهلها من في ذلك الوقت فلما قدم ابو عبيدة على النبي صلى الله عليه وسلم بمال الجزية والجزية هي المال الذي يؤخذ من اهل الذمة في
مقابل بقائهم في بلاد المسلمين وحمايتهم. لما قدم بهذا المال اتى به الى النبي صلى الله عليه وسلم علم الانصار بذلك فوافوا النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر. لانهم كانوا يصلون في مساجدهم. وكان
كل قبيلة مسجد يصلون فيه فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الفجر تعرضوا له. يعني يريدون ان يسألوه فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى تعرضهم وتشوفهم وقال لهم لعلكم سمعتم بقدوم مال
البحرين فقالوا نعم. فقال ابشروا وهذه الكلمة تقال في حصول الخير انها تقال للشخص في حصول الذي طلب فقال ابشروا واملوا. ثم قال عليه الصلاة والسلام ما الفقر اخشى عليكم. وانما اخشى عليكم ان تفتح
الدنيا فتتنافسوها كما تنافسوها يعني من كان قبلكم فتهلككم كما اهلكتهم وسبب الهلاك عند انفتاح الدنيا لوجهين. الوجه الاول ان الانسان غالبا اذا فتحت عليه الدنيا فانه كما قال عز وجل كلا ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى. فاذا كثر ماله فانه يطغى وهذا الطغيان
يؤدي به الى كفران نعمة الله عز وجل. ومن ثم يدع طاعة الله تعالى والسبب الثاني ان التنافس في الدنيا اي ان كل واحد يريد ان يكون اكثر مالا من الاخر سبب
في الحسد والبغضاء وحينئذ يكون بينهم العداوة والبغضاء التي تؤدي الى القتل ثم تؤدي الى الهلاك ولهذا في بعض الروايات ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ما الفقر اخشى عليكم ولكن اخشى عليكم ان تفتح عليكم الدنيا فتتنافسوها ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم
تتباغضون. فبين النبي عليه الصلاة والسلام ان انفتاح الدنيا سبب للتنافس فيها. وان كل واحد من الناس يريد ان يكون اكثر مالا من الاخر. ثم هذا يؤدي الى التحاسد والحسد
والحسد تمني زوال النعمة عن الغير. هكذا عرفه الجمهور ان الحسد هو ان تتمنى زوال النعمة عن الغير سواء تمنيت ان تزول عنه اليك او الى غيرك او الى شيء. وقال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله ان
السدى هو كراهة ما انعم الله تعالى به على عبد من عباده. فبمجرد ان تكره النعمة التي انعم الله على بها على احد من الناس هذا هو الحسد. فاذا انعم الله تعالى على عبد من عباده بمال وكرهت ذلك فهذا هو الحسد
اذا انعم الله عز وجل عليه بنعمة العلم ونشره وبذره بين الناس. وكرهت ذلك فان هذا من الحسد. ومن اعظم الحسد والعياذ بالله ما يقع وبين المنتسبين الى العلم واهله. فان هذا مع كونه ضعفا في الدين هو نقص في العقل في الواقع. لان
كونك ترى اخاك طالب العلم ينشر العلم بين الناس ويبث العلم بين الناس. هذا سبب لي ان تفرح بذلك لان الله تعالى جعل لك موردا يعينك على نشر العلم بين الناس ونشر دين الله بين الناس لا ان تحسده على
ثم قال عليه الصلاة والسلام ثم تتدابرون التدابر ان يولي كل واحد اخر دبره والتدابر نوعان تدابر بالابدان وتدابر بالاذهان. اما التدابر بالابدان فان يولي كل واحد الاخر دبره احتقارا وازدراء له
واما التدابر بالاذهان فاختلاف وجهات النظر. بحيث انه اذا اختلفت وجهات النظر فيما بينهم صار بعضهم يعتدي على بعض بل يفسق بعضهم بعضا بل ربما كفر بعضهم بعضا والعياذ بالله. ثم قال ثم تتباغضون. يعني ان
هذا التنافس يؤدي الى الحسد وهذا الحسد يؤدي الى التدابر وهذا التدابر يؤدي الى التباغض. ففي هذا الحديث فوائد منها اولا ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الجزية من المجوس. وقد ثبت ايضا في الحديث الصحيح صريحا انه اخذ
الجزية من مجوس هجر. وفيه ايضا دليل على ان حب المال والتطلع اليه مما جبل الله تعالى النفوس البشرية عليه. ولهذا لما وافى الانصار النبي صلى الله عليه وسلم تبسم. لان هذا امر
مما طبعت عليه البشر. ومنها ايضا التحذير من زهرة الحياة الدنيا وانفتاحها على الانسان. وان الانسان اذا فتحت عليه الدنيا فربما كان ذلك سببا لهلاكه. لانها تشغله عن طاعة الله. وتشغله عن عبادة
والله تعالى انما خلق الخلق ليعبدوه وليوحدوه. لم يخلقهم الله تعالى ليتكثر بهم من قلة ولا ليتعزز بهم من ذلة ولا ليستغني بهم من فقر بل خلقهم لامر عظيم وهيأهم لخطب جسيم وبين لهم
الصراط المستقيم. فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا. ونحشره يوم القيامة اعمى. فالواجب على الانسان ان يحذر اذا فتحت عليه الدنيا. والا يكون انفتاح الدنيا سبب
انشغاله عن طاعة الله تبارك وتعالى بل يجعل هذا الانفتاح سببا لطاعة الله بان يبذل هذا المال الذي رزقه الله تعالى يبذله في طاعته. وفي مرضاته من الانفاق على نفسه وولده ومن تلزمه مؤنته
ومن الانفاق على الفقراء والمساكين. ويؤدي الحق الواجب في هذا المال. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى الله على نبينا يا محمد
