الحمد لله رب العالمين واصلي واسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى اله واصحابه اجمعين اما بعد وقد نقل النووي رحمه الله في باب حق الجار والوصية به حديث
ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت انه سيورثه هذا الحديث فيه قوله صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل يوصيني بالجار
ان يتعاهدني بحق الجار تنبيها وتأكيدا وحثا وترغيبا وترهيبا من التفريط فيه وبيان عاقبة المظيعين لهذا الحق ما زال جبريل وجبريل هو اشرف الملائكة وهو الرسول الذي يبعثه الله تعالى
لمن شاء من عباده فهو الواسطة بين الله عز وجل وبين رسله فكان يأتيهم بالوحي وكان يتنزل عن النبي صلى الله عليه وسلم ويوحي اليه بالقرآن العظيم وبغيره مما امره الله تعالى ان يوحي به الى النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك
ما اخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من بيان حق الجار والوصية هي العهد المؤكد الموثق وهي مأخوذة من الوصل فالوصية وصل وصل الجار بما يكون به صلح حاله واستقامة الصلة به
والجار هو من جاورك وقد اختلف اهل العلم في ضابط الجار الذي جاءت الوصية به فقال جماعة من اهل العلم الجار حده اربعون دارا من كل جهة من جهات بيتك
او مكان نزولك وقيل بل اربعون في المجموع يعني عشرة عشرة وقيل انه ليس في ذلك حد يشار اليه فما جاء من ان الجار يصل الى اربعين لا يثبت عنه صلى الله عليه وسلم واذا كان كذلك
فان المرجع في تحديد الجار الى العرف والى ما جرى به عهد الناس تعارفهم وهذا مما يختلف باختلاف العصور والمنازل والمحلات التي يسكنها الناس فاعراف مختلفة وقد جاء عن علي بن ابي طالب رضي الله تعالى عنه في بيان حج الجار قال من صلى من صلى الفجر معك فهو جارك
وهذا لان الليل يؤوي الناس الى بيوتهم اذ اجتمعوا في الصلاة كانوا جيرانا وهذا لا يعني ان من لم يصلي من اهل الاعذار ليس جعرا انما هذا المقصود من كان في العادة وفي المضطرد انه اذا صلى صلى معك فانت اقرب
ساجد اليه وموضع صلاتك هو اقرب الاماكن اليه فهو جارك والذي يظهر والله تعالى اعلم ان الجار يختلف باختلاف الاعراف ولا يحد بحد لا سيما في بعض المحلات التي المساجد فيها كثيرة
وفيرة وقد يكون بين كل بيتين او بين كل مجموعة بيوت اه جاء مسجد يصلى فيه فليس ثمة ضابط يرجع اليه الا ما كان مما عده العرف جارا. فالجار هو كل من عده ان
لا سجارا لك ولو بعد منزله عنك ولكن الحق للجار يختلف باختلاف القرب والبعد فكلما ازداد قربا كان حقه من الوصية بالجار اعظم ونصيبه اوفر وقوله صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل يوصيني بالجار
يشمل كل من جاورك سواء كان مسلما او كافرا وسواء كان صديقا او عدوا وسواء كان من ذوي رحمك وقراباتك او من الاجانب عنك. وسواء كان موافقا لك في القبيلة او في
بلدي الذي تنتمي اليه او كان مفارقا لك فالجار حقه ثابت مهما كان كانت حاله لانه حق سببه الجوار. فاذا كان جارا فله الحق على اي في صفة كان ولو لم يكن موافقا لك في الدين او في الاصل او في اللون او في اللسان او في الجنس او ما اشبه ذلك
فان الوصية عامة بالجار ولو كانوا من كان؟ فقوله صلى الله عليه وعلى اله وسلم ما زال يوصيني بالجار يشمل كل من اتصف بهذا الجار وقوله حتى ظننت انه سيورث
يعني حتى ظن النبي صلى الله عليه وسلم ورد على خاطره ان نهاية هذه الوصية المتكررة والتعاهد الدائم من جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في شأن الجار انه سيجعل له
ميراثا اي سيجعل له نصيبا من الميراث وهذا احد المعاني في قوله سيورثه. يعني سيجعل له نصيبا من الانصبة التي يعطاها اصحاب المواريث آآ اما نصيب مقدر او مفروض او نصيب يكون بالتعصيب او نحو ذلك مما جرى به
قسمة المواريث المقصود انه سيورثه يعني سيجعل له حظا في الميراث على اي صفة كان وقيل في معنى قوله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت انه سيورثه اي انه سيلحقه بذوي الارحام
الذين لهم حق في الميراث بمعنى انه يجعله في منزلة الرحم من جهة حقه ولو لم يكن له نصيب ولو لم يكن له نصيب من الميراث. فسيورثه اما ان يجعل له نصيبا
اما ان ينزله منزلة من يرث في الحق والعناية والحفاوة والاكرام والصلة وما اشبه ذلك وهذا ايها الاخوة يبين عظيم المنزلة التي تبوأها صاحب هذا الحق وهو الجار وانها منزلة كبرى. في الحديث جملة من الفوائد من فوائده ان جبريل
كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن وبغيره فانما اخبر به النبي صلى الله عليه وسلم هنا ليس قرآنا. وفيه من الفوائد ايضا عظيم حق الجار وذلك من جهة انه
كان جبريل وهو الرسول الملكي يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بحقه ويكرر عليه ذلك ومن جهة ايضا ان النبي صلى الله عليه وسلم ظن انه سيكون له نصيبا انه سيكون له نصيب من الميراث
وفيه من الفوائد انه ينبغي للانسان ان يسعى في اكرام جاره بكل وسيلة وبكل طريق وبكل سبب والا ولا يتوانى في ذلك واصل حق الجار دائر على امرين الاحسان وكف الاذى
الاحسان اليه بكل ما تستطيع وكف الاذى بكل ما يؤذيه من قول او فعل او سواء كان حسيا او معنويا فلذلك ينبغي للانسان ان يحرص على كف شره عن جاره بكل وسيلة
وان يسعى في ايصال كل خير اليه ويحتسب الاجر في ذلك عند الله. وفي من الفوائد ان الميراث تولى الله تعالى بيانه فليس فيه الاجتهاد من احد بل هو بيان الله عز وجل. ولذلك
ظن النبي صلى الله عليه وسلم انه سيجعل له ان الجار سيجعل له نصيب من الميراث اعاننا الله واياكم على طاعته والهمنا رشدنا ويسر لنا اليسر وصلى الله وسلم على نبينا محمد
