الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه حمدا يرضيه واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى اله وصحبه ومن اتبع سنته واقتفى اثره باحسان الى يوم الدين. اما بعد
وقد نقل النووي رحمه الله في باب صلة اصدقاء الاب والام والاقارب والزوجة ومن يكرم عن ابي اسيد ما لك بن ربيعة الساعدي رضي الله تعالى عنه قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
اذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يا رسول الله هل بقي منبر ابوي شيء ابرهما به بعد موتهما؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما
وانفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل الا بهما واكرام صديقهما رواه ابو داوود هذا الحديث الشريف فيه الخبر عن سؤال هذا الرجل من بني سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال هل بقي من بر ابوي
شيء ابرهما به بعد موتهما فاجابه النبي صلى الله عليه وسلم نعم اي بقي منبر ابويك شيء تبرهما به بعد موتهما وعدد له صلى الله عليه وسلم جملة من اوجه البر
التي تكون بعد موت الابوين وهي ايضا مما يكون في حياتهما لكن يمتد ذلك حتى بعد موتهما فالمذكورات في الحديث اغلبها مما يكون في الحياة او ما يكون نظيرها في الحياة
ومنها ما يكون في الموت وهو انفاذ عهدهما اي وصيتهما فعد النبي فبعد ان ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الجواب بنعم عد النبي صلى الله عليه وسلم خمسة ابواب من ابواب بر الوالد بعد موته
وابتدأ ذلك باعظم ذلك نفعا فقال الصلاة عليهما والمقصود بالصلاة هنا الدعاء لهما ومن ذلك صلاة الجنازة عليهما لكن الصلاة تشمل صلاة الجنازة وتشمل الدعاء لهما على وجه العموم وقد جاء الحث على ذلك اي على
دعاء الولد لوالده بعد موته فيما رواه مسلم من حديث ابي هريرة رضي الله تعالى عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا مات ابن ادم انقطع عمله الا من ثلاث
صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له فمن اعظم البر الذي ينتفع به الوالد بعد موته الدعاء له وهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في صدر
ما بقي من بر الابوين بعد موتهما الدعاء لهما ويكون في الحياة ايضا لكن في الممات اعظم وصلا لانقطاع العمل والا ينتفع الانسان بدعاء ولده حتى في حياته. وهو من اوجه بر والده ان ان يدعو له في حياته. كما قال تعالى
وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا اما يبلغن عندك الكبر احدهما او كلاهما فلا تقول لهما اف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة
وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا فندب الله تعالى الى هذا الدعاء لهما وظاهره في حياتهما وكذلك بعد موتهما ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار فقال والاستغفار لهم او الاستغفار نوع من الدعاء
اذ انه سؤال المغفرة وطلب التجاوز والصفح والعفو من الكريم المنان جل في علاه وذكره على وجه الخصوص بعد الدعاء هو من باب عطف الخاص على العام. فالدعاء يشمل كل ما يدعى به من خير الدنيا والاخرة
ثم الاستغفار دعاء خاص وهو سؤال العفو والتجاوز والصفح ولا ولا يستغني عنه احد فكلنا بحاجة الى الاستغفار ورسول الله صلى الله عليه وسلم اكمل الخلق يقول اني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة
فلا غنى باحد عن الاستغفار ولذلك كان منبر الوالد ان يستغفر له منبر الوالد ابا او اما ان يستغفر له بعد موته. وكذلك كما قلنا في الدعاء يكون في الحياة والممات وهو من اعظم اوجه البر كذلك
الاستغفار يكون في الحياة والممات. وهو من اعظم اوجه البر والصلاة عليهما والاستغفار لهما يكون في الصلوات ويكون في غيرها من مواطن اجابة الدعاء ويكون في كل حين وحال يمكن ان يدعى فيه لهما فان ذلك مما يسر به وقد جاء في الحديث
ان الرجل لا يرى المنزلة العالية فيقول ربي انه لي هذا يعني من اين جاء هذا؟ لي ولم اعمل فيقول من استغفار لوالديك من استغفار ولدك لك فمن اعظم البر بالوالد
الدعاء له والاستغفار له ثالث ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من اوجه بر الوالد بعد موته انفاذ عهدهما بعد من بعدهما انفاذ عهدهما يعني امظاء ما اوصيا به بعد موتهما سواء كان ذلك سواء كان
تلك الوصية في اموالهم بعد موتهم في التركة بالثلث ونحوه او كان ذلك فيما يتعلق بالتصرف من تزويج من يزوج من البنات ونحوهم او القيام على شيء من الاعمال التي
اوصى بها بعد موته مما لا يتعلق بالتركة. فالوصية هي تبرع بعد الموت بمال او او عهد تصرف في شيء بعد الموت فكلاهما يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم وانفاذ عهدهما من بعدهما
ونظيره في الحياة امضى ما وعد به او عاهد عليه او عاقد عليه فان ذلك من برهما في حياتهما لكن فيما يتعلق بالوصية هذا لا يكون برا بالوالد من اب او ام الا بعد موتهما
وينبغي لكل من علم شيئا من وصية والده ان يتقي الله تعالى فان انفاذ وصيته من بره وهو واجب ان الله تعالى قد امر انفاذ الوصية القيام عليها قبل التركة كما قال تعالى من بعد وصيتي يوصي بها او دينه في الاية الاخرى من بعد وصية يوصى بها او دين غير مضار
فينبغي حفظ العهد وانفاذ وصية الوالد وترك شح النفس فانه يقع من بعض الناس يشحون بما اوصى به والده فيمنع ذلك رابع ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من
اوجه صلة من اوجه بر الوالد بعد موته صلة الرحم التي لا توصل الا بهما صلة الرحم من جهة الاب او من جهة الام التي لا توصل الا بهما. يعني التي هما سبب في صلتهما
او هما سبب في صلتها فان ذلك منبر الوالد ان يصل ارحامه من اعمام وعمات واخوال وخالات واجداد وجدات وسائر من يكون الوالد سببا في الاتصال به ولذلك قال التي لا توصل الا بهما يعني التي كان سببا في ثبوتها
وخامس ما ذكر صلى الله عليه وسلم من اوجه بر الوالد بعد موته قال واكرام صديقهما اكرام صديقهما بكل ما يحصل به الاكرام من قول او عمل او حال فكل ذلك
يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم واكرام صديقهما وقد روى مسلم عن عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنه ما فعله بالاعرابي الذي كان ابوه ودا لعمر حيث عطاه
عمامته واركبه مركوبه وكان حمارا فلما قيل له في ذلك قال ان ابا هذا كان ودا لعمر ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان ابر البر
صلة الرجل اهل ود ابيه فهذا من ابر البر واوفاه بعد موت الوالد من اب او ام ان يصل قراباته هذا الحديث فيه جملة من الفوائد من فوائده حرص الصحابة على
مجالسة النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم واكرم به من مجلس به سيد الورى صلى الله عليه وسلم وفيه ان مجالسه كانت عامرة بما ينفع من العلم النافع والعمل الصالح والتوجيه الى الخير والبر
وفيه مشروعية السؤال عما يحتاج الانسان الى ان يسأل عنه من مسائل العلم التي خفيت عليه فقد قال الله تعالى فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون وفيه حرص هذا الرجل رضي الله تعالى عنه على
بر والدي حيا وميتا حيث سأل عن بر ابويه بعد موتهما وما ذاك الا اكراما لهما وصلة لما كان من بر من بر في حياتهما وفيه مبادرة النبي صلى الله عليه وسلم بالجواب حيث قال نعم
وفيه تمام نصحه صلى الله عليه وسلم حيث اجاب الرجل بما لم يسأل عنه وذلك ببيان اوجه البر التي يبر بها الوالد بعد موته وفيه ان هذه الاعمال المذكورة مما يحصل به بر الوالد بعد الموت
وفيه ان اعظم البر واعلاه للوالدين بعد موتهما الدعاء لهما فان النبي صلى الله عليه وسلم قدمه ذكرا وفصله بيانا فقال الصلاة عليهما والاستغفار لهما وهذان في معنى واحد وفيه الحث على انفاذ وصية الوالدين
من بعدهما فان ذلك من برهما وفيه ان صلة رحم الوالد التي لا توصل الا بهما من برهما بعد موتهما فينبغي ان يحرص الانسان على صلة قراباته بعد موت ابيه من عم او خال او اعمام الاب
او اخواله فان ذلك من بر الوالد وفيه ان اكرام الصديق منبر الوالد حيث قال صلى الله عليه وسلم واكرام صديقهما وهذا موضع الشاهد في الحديث للباب فاكرام صديق الرجل
اكرام له وفي ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك من ابواب الخير التي توصل الى كمال الخلق وتمام صالحه الا وقد دل عليه صلى الله عليه وعلى اله وسلم
نسأل الله تعالى العلم النافع والعمل الصالح وصلى الله وسلم على نبينا محمد
