يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ويخلق ما لا تعلمون ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة
انه يخلق ما لا يعلم المخاطبون وقت نزولها وابهم ذلك الذي يخلقه تعبيره عنه بالموصول ولم يصرح هنا بشيء منه ولكن قرينة ذكر ذلك في معرض الامتنان بالمركوبات تدل على ان منه ما هو من المركوبات
وقد شوهد ذلك في انعام الله على عباده بمركوبات لم تكن معلومة وقت نزول الاية الطائرات والقطارات والسيارات ويؤيد ذلك اشارة النبي صلى الله عليه وسلم الى ذلك في الحديث الصحيح
قال مسلم ابن الحجاج رحمه الله في صحيحه حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن سعيد بن ابي سعيد عن عطاء ابن ميناء عن ابي هريرة انه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا
فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون الى المال فلا يقبله احد ومحل الشاهد من هذا الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم
ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها فانه قسم من النبي صلى الله عليه وسلم انه ستترك الابل فلا يسعى عليها وهذا مشاهد الان للاستغناء عن ركوبها بالمراكب المذكورة وفي هذا الحديث معجزة عظمى
تدل على صحة نبوءته صلى الله عليه وسلم وان كانت معجزاته صلوات الله وسلامه عليه اكثر من ان تحصر وهذه الدلالة التي ذكرنا تسمى دلالة الاقتران وقد ضعفها اكثر اهل الاصول. كما اشار له صاحب مراقي السعود
بقوله اما قران اللفظ في المشهور فلا يساوى في سوى المذكور وصحح الاحتجاج بها بعض العلماء ومقصودنا من الاستدلال بها هنا ان ذكرى ويخلق ما لا تعلمون في معرض الامتنان بالمركوبات
لا يقل عن قرينة دالة على ان الاية تشير الى ان من المراد بها بعض المركوبات كما قد ظهرت صحة ذلك بالعيان وقد ذكر في موضع اخر انه يخلق ما لا يعلمه خلقه
غير مقترن بالامتنان بالمركوبات وذلك بقوله سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن انفسهم ومما لا يعلمون قوله تعالى وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر اعلم اولا ان قصد السبيل هو الطريق المستقيم القاصد
الذي لا اعوجاج فيه وهذا المعنى معروف في كلام العرب ومنه قول زهير بن ابي سلمة المزني صحى القلب عن سلمى واقصر باطله وعري افراس الصبا ورواحله واقصرت عما تعلمين وسددت علي سوى قصد السبيل معادله
وقول امرئ القيس ومن الطريقة جائر وهدى قصد السبيل ومنه ذو دخل فاذا علمت ذلك فاعلم ان في معنى الاية الكريمة وجهين معروفين للعلماء وكل منهما له مصداق في كتاب الله
الا ان احدهما اظهر عندي من الاخر الاول منهما ان معنى وعلى الله قصد السبيل ان طريق الحق التي هي قصد السبيل على الله اي موصلة اليه ليست حائدة ولا جائرة عن الوصول اليه والى مرضاته
ومنها جائر ايوة من الطريق جائر لا يصل الى الله بل هو زائغ وحائد عن الوصول اليه ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله
وقوله وان اعبدوني هذا صراط مستقيم ويؤيد هذا التفسير قوله بعده ومنها جائر وهذا الوجه اظهر عندي واستظهره ابن كثير وغيره وهو قول مجاهد الوجه الثاني ان معنى الاية الكريمة
وعلى الله قصد السبيل اي عليه جل وعلا ان يبين لكم طريق الحق على السنة رسله ويدل لهذا الوجه قوله تعالى رسلا مبشرين ومنذرين بان لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل
وقوله وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقوله فانما على رسولنا البلاغ المبين الى غير ذلك من الايات وعلى هذا القول ومعنى قوله ومنها جائر غير واضح لان المعنى ومن الطريق جائر عن الحق
وهو الذي نهاكم الله عن سلوكه والجائر المائل عن طريق الحق والوجهان المذكوران في الاية يعني في قوله ان علينا على الهدى الاية قوله تعالى ولو شاء لهداكم اجمعين بين جل وعلا في هذه الاية الكريمة
انه لو شاء هداية جميع خلقه لها دعم اجمعين واوضح هذا المعنى في ايات اخر كقوله ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين وقوله ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها
الاية وقوله ولو شاء الله ما اشركوا وقوله ولو شاء ربك لامن من في الارض كلهم جميعا الاية وقوله ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة الاية الى غير ذلك من الايات
وقد قدمنا هذا في سورة يونس ايها المستمع الكريم نكتفي بهذا القدر والى لقائنا القادم ان شاء الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
