يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ثم لا يؤذن للذين كفروا لم يبين تعالى في هذه الاية الكريمة
متعلق الاذن في قوله لا يؤذن ولكنه بين في المرسلات ان متعلق الاذن الاعتذار اي لا يؤذن لهم في الاعتذار لانهم ليس لهم عذر يصح قبوله وذلك في قوله هذا يوم لا ينطقون
ولا يؤذن لهم فيعتذرون  فان قيل ما وجه الجمع بين نفي اعتذارهم المذكور هنا وبينما جاء في القرآن من اعتذارهم كقوله تعالى عنهم والله ربنا ما كنا مشركين وقوله ما كنا نعمل من سوء
وقوله بل لم نكن ندعو من قبل شيئا ونحو ذلك من الايات فالجواب من اوجه منها انهم يعتذرون حتى اذا قيل لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون انقطع نطقهم ولم يبق الا الزفير والشهيق
كما قال تعالى ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ومنها ان نفي اعتذارهم يراد به اعتذار فيه فائدة اما الاعتذار الذي لا فائدة فيه فهو كالعدم يصدق عليه في لغة العرب انه ليس بشيء
ولذا صرح تعالى بان المنافقين بكم في قوله صم بكم مع قوله عنهم وان يقولوا تسمع لقولهم اي لفصاحتهم وحلاوة السنتهم وقال عنهم ايضا فاذا ذهب الخوف سلقوكم بالسنة حداد
فهذا الذي ذكره جل وعلا من فصاحتهم وحدة السنتهم مع تصريحي بانهم بكم يدل على ان الكلام الذي لا فائدة فيه شيء كما هو واضح وقال هبيرة بن ابي وهب المخزومي
وان كلام المرء في غير كنهههه لك النبل تهوي ليس فيها نصالها وقد بينا هذا في كتابنا دفع ايهام الاضطراب عن ايات الكتاب. في مواضع منه والترتيب بثم في قوله في هذه الاية الكريمة
ثم لا يؤذن للذين كفروا على قوله ويوم نبعث من كل امة شهيدا لاجل الدلالة على ان ابتلائهم بالمنع من الاعتذار المشعر بالاقناط الكلي اشد من ابتلائهم بشهادة الانبياء عليهم بكفرهم
قوله تعالى ولا هم يستعتبون اعلم اولا ان نستعتب تستعمل في اللغة بمعنى طلب العتبى اي الرجوع الى ما يرضي العاتب ويسره وتستعمل ايضا في اللغة بمعنى اعتب اذا اعطى الاتبى
اي رجع الى ما يحب العاتب ويرضى فاذا علمت ذلك فاعلم ان في قوله ولا هم يستعتبون وجهين من التفسير متقاربي المعنى قال بعض اهل العلم ولا هم يستعتبون اي لا تطلب منهم العتبى
بمعنى لا يكلفون ان يرضوا ربهم لان الاخرة ليست بدعة تكليف فلا يردون الى الدنيا ليتوبوا وقال بعض العلماء ولا هم يستعتبون اي يعتبرون بمعنى يزال عنهم العتب ويعطون العتبى وهي الرضا
لان الله لا يرضى عن القوم الكافرين وهذا المعنى كقوله تعالى في قراءة الجمهور وان يستعتبوا فما هم من المعتدين اي وان يطلب العتبى وهي الرضا عنهم لشدة جزائهم فما هم من المعتدين
بصيغة اسم المفعول اي المعطين العتبى وهي الرضا عنهم لان العرب تقول اعتبه اذا رجع الى ما يرضيه ويسره ومنه قول ابي دؤيب الهذلي امن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع
اي لا يرجع الدهر الى مسرة من جزع ورضاه وقول النابغة فان كنت مظلوما فعبد ظلمته وان كنت ذا عتبى فمثلك يعتب واما قول بشر ابن ابي خازم غضب تميم ان تقتل عامر يوم التساري فاعتبوا بالصيلم
يعني اعتدناهم بالسيف اي ارضيناهم بالقتل فهو من قبيل التهكم كقول عمرو بن معدي كرب وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع لان القتل ليس بارضاء والضربة الوجيعة ليس بتحية
واما على قراءة من قرأ وان يستعتبوا بالبناء للمفعول فما هم من المعتدين بصيغة اسم الفاعل والمعنى انهم لو طلبت منهم العتبى وردوا الى الدنيا ليعملوا بطاعة الله وطاعة رسله
فما هم من المعتدين الراجعين الى ما يرضي ربهم بل يرجعون الى كفرهم الذي كانوا عليه اولا وهذه القراءة كقوله تعالى ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وانهم لكاذبون وبهذا
نكتفي في لقائنا اليوم ولنا لقاء في الغد ان شاء الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
