يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم سلام الله عليك ورحمته وبركاته قوله تعالى وضرب الله مثلا قرية كانت امنة مطمئنة
يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بانعم الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فاخذهم العذاب وهم ظالمون قال بعض اهل العلم
ان هذا مثل ضربه الله لاهل مكة وهو رواية العوضي عن ابن عباس واليه ذهب مجاهد وقتادة وعبدالرحمن بن زيد بن اسلم وحكاه مالك عن الزهري رحمهم الله نقله عنهم ابن كثير وغيره
وهذه الصفات المذكورة التي اتصفت بها هذه القرية تتفق مع صفات اهل مكة المذكورة في القرآن فقوله عن هذه القرية كانت امنة مطمئنة قال نظيره عن اهل مكة كقوله او لم نمكن لهم حرما امنا
الاية وقوله او لم يروا انا جعلنا حرما امنا ويتخطف الناس من حولهم الاية وقوله وامنهم من خوف وقوله ومن دخله كان امنا وقوله واذ جعلنا البيت مثابة للناس وامنا. الاية
وقوله يأتيها رزقها رغدا من كل مكان قال نظيره عن اهل مكة ايضا كقوله يجبى اليه ثمرات كل شيء وقوله لايلاف قريش ايلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي اطعمهم من جوع وامنهم من خوف
فان رحلة الشتاء كانت الى اليمن ورحلة الصيف كانت الى الشام وكانت تأتيهم من كلتا الرحلتين اموال وارزاق ولذا اتبع الرحلتين بامتنانه عليهم بان اطعمهم من جوع وقوله في دعوة ابراهيم
واذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد امنا وارزق اهله من الثمرات الاية وقوله فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات الاية وقوله فكفرت بانعم الله ذكر نظيره عن اهل مكة في ايات كثيرة
كقوله المتر الى الذين بدلوا نعمة الله كفرا واحلوا قومهم دار البوار وقد قدمنا طرفا من ذلك في الكلام على قوله تعالى يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها الاية وقوله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون
وقع نظيره قطعا لاهل مكة لما لجوا في الكفر والعناد ودعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف فاصابتهم سنة اذهبت كل شيء
حتى اكلوا الجيف والعلهز وهو وبر البعير يخلط بدمه اذا نحروه واصابهم الخوف الشديد بعد الامن وذلك الخوف من جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم. وغزواته وبعوثه وسراياه وهذا الجوع والخوف اشار لهما القرآن على بعض التفسيرات
فقد فسر ابن مسعود اية الدخان بما يدل على ذلك قال البخاري في صحيحه باب فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين. فارتقب فانتظر حدثنا عبدان وعن ابي حمزة عن الاعمش عن مسلم عن مسروق
عن عبد الله قال مضى خمس الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام يغشى الناس هذا عذاب اليم حدثنا يحيى حدثنا ابو معاوية عن الاعمش عن مسلم عن مسروق قال قال عبدالله
انما كان هذا لان قريشا لما استعصوا على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف فاصابهم قحط وجهد حتى اكلوا العظام. فجعل الرجل ينظر الى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد
فانزل الله تعالى فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب اليم فاتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له يا رسول الله استسقي الله لمضر. فانها قد هلكت
قال لموبر انك لجريء فاستسقى فسقوا فنزلت انكم عائدون فلما اصابتهم الرفاهية عادوا الى حالهم حين اصابتهم الرفاهية فانزل الله عز وجل يوم نبطش البطشة الكبرى انا منتقمون. يعني يوم بدر
باب قوله تعالى ربنا اكشف عنا العذاب انا مؤمنون حدثنا يحيى حدثنا وكيع عن الاعمش عن ابي الضحى عن مسروق قال دخلت على عبد الله فقال ان من العلم ان تقول لما لا تعلم الله اعلم. ان الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم
قل ما اسألكم عليه من اجر وما انا من المتكلفين. ان قريشا لما غلبوا النبي صلى الله عليه وسلم واستعصوا عليه قال اللهم اعني عليهم بسبع كسبع يوسف فاخذتهم سنة
اكلوا فيها العظام والميعة من الجهد حتى جعل احدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع قالوا ربنا اكشف عنا العذاب انا مؤمنون فقيل له انكشفنا عنهم عادوا
فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر فذلك قوله يوم تأتي السماء بدخان مبين. الى قوله جل ذكره انا منتقمون انتهى بلفظه من صحيح البخاري  وفي تفسير ابن مسعود رضي الله عنه لهذه الاية الكريمة ما يدل دلالة واضحة
ان ما اذيقت هذه القرية المذكورة في سورة النحل. من لباس الجوع اذيقه اهل مكة حتى اكلوا العظام وصار الرجل منهم يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع وهذا التفسير من ابن مسعود رضي الله عنه
له حكم الرفع لما تقرر في علم الحديث من ان تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع كما اشار له صاحب طلعة الانوار بقوله تفسير صاحب له تعلق بالسبب الرفع له محقق
وكما هو معروف عند اهل العلم وقد قدمنا ذلك في سورة البقرة الكلام على قوله تعالى من حيث امركم الله وقد ثبت في صحيح مسلم ان الدخان من اشراط الساعة
ولا مانع من حمل الاية الكريمة على الدخانين الدخان الذي مضى والدخان المستقبل جمعا بين الادلة وقد قدمنا ان التفسيرات المتعددة في الاية ان كان يمكن حمل الاية على جميعها فهو اولى
وقد قدمنا ان ذلك هو الذي حققه ابو العباس ابن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن بادلته ايها المستمع الكريم نكتفي بهذا ونستكمل حديثنا في الحلقات القادمة ان شاء الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
