يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نستكمل الحديث حول قوله تعالى سبحان الذي اسرى بعبده
الاية قال المؤلف رحمه الله وقد قدمنا ان احسن اوجه الاعراب في سبحان انه مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف اي اسبح الله سبحانه هاي تسبيحة والتسبيح الابعاد عن السوء ومعناه في الشر
التنزيه عن كل ما لا يليق بجلال الله كما قدمنا وزعم بعض اهل العلم ان لفظة سبحان علم للتنزيه وعليه فهو علم جنس بمعنى التنزيه على حد قول ابن مالك في الخلاصة
مشيرا الى ان علم الجنس يكون للمعنى كما يكون للذات ومثله برة للمبرة كذا فجاري علم للفجرة على انه علم فهو ممنوع من الصرف للعالمية وزيادة الالف والنون والذي يظهر لي والله تعالى اعلم
انه غير علم وان معنى سبحان تنزيها لله عن كل ما لا يليق به ولفظة سبحان من الكلمات الملازمة للاظافة وورودها غير مضافة قليل كقول الاعشى فقلت لما جاءني فخره
سبحان من علقمة الفاخرين ومن الادلة على انه غير علم ملازمته للاضافة والاعلام تقل اضافتها وقد سمعت لفظة سبحان غير مظافة مع التنوين والتعريف فمثاله مع التنوين قوله سبحانه ثم سبحانا
نعوذ به وقبلنا سبح الجودي والجمد ومثاله معرفا قول راجس سبحانك اللهم ذا سبحاني والتعبير بلفظ العبد في هذا المقام العظيم يدل دلالة واضحة على ان مقام العبودية هو اشرف صفات المخلوقين
واعظمها واجلها اذ لو كان هناك وصف اعظم منه لعبر به في هذا المقام العظيم الذي اخترق العبد فيه السبع الطباق ورأى من ايات ربه الكبرى وقد قال الشاعر في محبوب مخلوق
ولله المثل الاعلى يا قوم قلبي عند زهراء يعرفه السامع والراعي لا تدعني الا بيا عبدها فانه اشرف اسمائي واختلف العلماء في النكتة البلاغية التي نكر من اجلها ليلا في هذه الاية الكريمة
قال الزمخشري في الكشاف اراد بقوله ليلى بلفظ التنكير تقليل مدة الاسراء وانه اسري به في بعض الليل من مكة الى الشام مسيرة اربعين ليلة وذلك ان التنكير فيه قد دل على معنى البعضية
ويشهد لذلك قراءة عبدالله وحذيفة من الليل اي بعض الليل بقوله ومن الليل فتهجد به نافلة يعني بالقيام في بعض الليل انتهى واعترض بعض اهل العلم على هذا وذكر بعضهم ان التنكير في قوله ليلا للتعظيم
اي ليلا اي ليل بنى فيه المحب الى المحبوب وقيل فيه غير ذلك وقد قدمنا ان اسرى وسرى لغتان كسقى واسقى وقد جمعهما قول حسان رضي الله عنه حي النظيرة ربة الخدر اسرت اليك ولم تكن تسري
بفتح التاء من تسري والباء في اللغتين للتعدية كالباء ذهب الله بنورهم. وقد تقدمت شواهد هذا في سورة هود قال المؤلف اجزل الله مثوبته تنبيه اختلف العلماء هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الاسراء بعين رأسه
وقال ابن عباس وغيره رآه بعين رأسه وقالت عائشة وغيرها لم يره وهو خلاف مشهور بين اهل العلم معروف قال مقيده عفا الله عنه التحقيق الذي دلت عليه نصوص الشرع
انه صلى الله عليه وسلم لم يره بعين رأسه وما جاء عن بعض السلف من انه رآه المراد به الرؤية بالقلب كما في صحيح مسلم انه رآه بفؤاده مرتين لا بعين الرأس
ومن اوضح الادلة على ذلك ان ابا ذر رضي الله عنه وهو هو في صدق اللهجة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المسألة بعينها فافتاه بما مقتضاه انه لم يره
قال مسلم ابن الحجاج رحمه الله تعالى في صحيحه حدثنا ابو بكر بن ابي شيبة حدثنا وكيل عن يزيد ابن ابراهيم عن قتادة عن عبد الله ابن شقيق عن ابي ذر
قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك قال نور انا اراه حدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن هشام حدثنا ابي وحدثني حجاج بن الشاعر حدثنا عفان بن مسلم حدثنا همام
كلاهما عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لابي ذر لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته فقال عن اي شيء كنت تسأله قال كنت اسأله هل رأيت ربك
قال ابو ذر قد سألت فقال رأيت نورا هذا لفظ مسلم وقال النووي في شرحه لمسلم اما قوله صلى الله عليه وسلم نور انى اراه فهو بتنوين نون وفتح الهمزة في ان
وتشديد النون وفتحها واراه بفتح الهمزة هكذا رواه جميع الرواة في جميع الاصول والروايات ومعناه حجابه نور. فكيف اراه قال الامام ابو عبد الله المازري رحمه الله الضمير في اراه عائد الى الله سبحانه وتعالى
ومعناه ان النور منعني من الرؤية كما جرت العادة باغشاء الانوار الابصار ومنعها من ادراك ما حالت بين الرائي وبينه وقوله صلى الله عليه وسلم رأيت نورا معناه رأيت النور فحسب
ولم ارى غيره قال وروي نوراني بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء ويحتمل ان يكون معناه راجعا الى ما قلناه اي خالق النور المانع من رؤيته ويكون من صفات الافعال
قال القاضي عياض رحمه الله هذه الرواية لم تقع الينا ولا رأيناها في شيء من الاصول انتهى محل الغرض من كلام النووي قال مقيده عفا الله عنه التحقيق الذي لا شك فيه
وان معنى الحديث هو ما ذكر من كونه لا يتمكن احد من رؤيته بقوة النور الذي هو حجابه ومن اصرح الادلة على ذلك ايضا حديث ابي موسى المتفق عليه حجابه النور
او النار لو كشف لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم نور انى اراه اي كيف اراه وحجابه نور من صفته
انه لو كشفه لاحرق ما انتهى اليه بصره من خلقه وقد قدمنا ان تحقيق المقام في رؤية الله جل وعلا بالابصار انها جائزة عقلا في الدنيا والاخرة بدليل قول موسى رب ارني انظر اليك
لانه لا يجهل المستحيل في حقه جل وعلا وانها جائزة شرعا واقعة يوم القيامة ممتنعة شرعا في الدنيا قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل. الى قوله جعله دكا ومن اصرح الادلة في ذلك حديث انكم لن تروا ربكم حتى تموتوا
في صحيح مسلم وصحيح ابن خزيمة كما تقدم واما قوله ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين الاية كذلك جبريل على التحقيق لله جل وعلا بهذا ايها المستمع الكريم ننتهي في لقائنا الليلة
ولنا لقاء ليلة الغد ان شاء الله فالى ذلك الحين نستودعك الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
