يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى وترى الشمس اذا طلعت تزاوروا عن كهفهم ذات اليمين
واذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من ايات الله اعلم اولا ان قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ان من انواع البيان التي تضمنها ان يقول بعض العلماء في الاية قولا
ويكون في نفس الاية قرينة تدل على خلاف ذلك القول وذكرنا من ذلك امثلة متعددة واذا علمت ذلك فاعلم ان العلماء اختلفوا في هذه الاية على قولين وفي نفس الاية قرينة تدل على صحة احدهما
وعدم صحة الاخر اما القول الذي تدل القرينة في الاية على خلافه وهو ان اصحاب الكهف كانوا في زاوية من الكهف وبينهم وبين الشمس حواجز طبيعية من نفس الكهف تقيهم حر الشمس
عند طلوعها وغروبها على ما سنذكر تفصيله ان شاء الله تعالى واما القول الذي تدل القرينة في هذه الاية على صحته فهو ان اصحاب الكهف كانوا في فجوة من الكهف على سمت تصيبه الشمس وتقابله
الا ان الله منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم على وجه خرق العادة كرامة لهؤلاء القوم الصالحين الذين فروا بدينهم طاعة لربهم جل وعلا والقرينة الدالة على ذلك هي قوله تعالى
ذلك من ايات الله اذ لو كان الامر كما ذكره اصحاب القول الاول فكان ذلك امرا معتادا مألوفا وليس فيه غرابة حتى يقال فيه ذلك من ايات الله وعلى هذا الوجه الذي ذكرناه
انه تشهد له القرينة المذكورة ومعنا تزاور الشمس عن كهفهم ذات اليمين عند طلوعها وقرضها اياهم ذات الشمال عند غروبها هو ان الله يقلص ضوئها عنهم ويبعده الى جهة اليمين عند الطلوع
والى جهة الشمال عند الغروب والله جل وعلا قادر على كل شيء. يفعل ما شاء فاذا علمت هذا فاعلم ان اصحاب القول الاول اختلفوا في كيفية وضع الكهف وجزم ابن كثير في تفسيره
بان الاية تدل على ان باب الكهف كان من نحو الشمال قال لانه تعالى اخبر بان الشمس اذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه ذات اليمين اي يتقلص الفيء يمنة كما قال ابن عباس وسعيد ابن جبير وقتادة
تزاور اي تميل ولذلك انه كلما ارتفعت في الافق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في ذلك المكان ولهذا قال تعالى واذا غربت تقرضهم ذات الشمال
اي تدخل الى غارهم من شمال بابه وهو من ناحية الشرق فدل على صحة ما قلناه وهذا بين لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسيد الشمس والقمر والكواكب وبيانه انه لو كان باب الغار من ناحية الشرق
لما دخل اليه منها شيء عند الغروب ولو كان من ناحية القبلة لما دخل اليه منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب ولا تزاور الفيء يمينا وشمالا ولو كان من جهات الغرب
لما دخلته وقت الطلوع بل بعد الزوال ولم تزل فيه الى الغروب فتعين ما ذكرناه ولله الحمد. انتهى كلام ابن كثير وقال الفخر الرازي في تفسيره اصحاب هذا القول قالوا ان باب الكهف
كان مفتوحا الى جانب الشمال فاذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف واذا غربت كانت على شماله وضوء الشمس ما كان يصل الى داخل الكهف وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل اليه
انتهى كلام الرازي وقال ابو حيان في تفسير هذه الاية وهذه الصفة مع الشمس تقتضي انه كان لهم حاجب من جهة الجنوب وحاجب من جهة الدبور وهم في زاوية وقال عبد الله بن مسلم
كان باب الكهف ينظر الى بنات نعش وعلى هذا كان اعلى الكهف مستورا من المطر قال ابن عطية كان كهفهم مستقبل بنات نعش لا تدخله الشمس عند الطلوع ولا عند الغروب
اختار الله لهم مضجعا متسعا في مقنعة لا تدخل عليهم الشمس فتؤذيهم انتهى الغرض من كلام ابي حيان والمقنعة المكان الذي لا تطلع عليه الشمس الى غير ذلك من اقوال العلماء
والقول الاول انسب للقرينة القرآنية التي ذكرنا وممن اعتمد القول الاول لاجل القرينة المذكورة الزجاج ومال اليه بعض الميل الفخر الرازي والشوكاني في تفسيريهما لتوجيههما قول الزجاج المذكور بقرينة الاية المذكورة
وقال الشوكاني رحمه الله في تفسيره ويؤيد القول الاول قوله تعالى ذلك من ايات الله فان صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة الى مكان تصل اليه عادة انسب بمعنى كونها اية
ويؤيده ايضا اطلاق الفجوة وعدم تقييدها بكونها الى جهة كذا ومما يدل على ان الفجوة المكان الواسع قول الشاعر البست قومك مخزاتا ومنقصة حتى ابيحوا وحلوا فجوة الداري انتهى كلام الشوكاني
ومعلوم ان الفجوة هي المتسع وهو معروف في كلام العرب ومنه البيت المذكور وقول الاخر ونحن ملأنا كل واد وفجوة رجالا وخيلا غير ميل ولا عزل ومنه الحديث فاذا وجد فجوة النص
ايها المستمع الكريم سوف نكمل تفسير بقية الاية ان شاء الله في لقائنا القادم فالى ذلك الحين نستودعك الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
