يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه
امر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الاية الكريمة ان يصبر نفسه اي يحبسها مع المؤمنين الذين يدعون ربهم اول النهار واخره مخلصين له لا يريدون بدعائهم الا رضاه جل وعلا
وقد نزلت هذه الاية الكريمة في فقراء المهاجرين كعمار وصهيب وبلال وابن مسعود ونحوهم لما اراد صناديد الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم ان يطردهم عنه ويجالسهم بدون حضور اولئك الفقراء المؤمنين
وقد قدمنا في سورة الانعام ان الله كما امره هنا بان يصبر نفسه معهم امره بالا يطردهم وانه اذا رآهم يسلم عليهم وذلك في قوله ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه
ما عليك من حسابهم من شيء. وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين الى قوله واذا جاءك الذين يؤمنون باياتنا فقل سلام عليكم وقد اشار الى ذلك المعنى
في قوله عبس وتولى ان جاءه الاعمى وما يدريك لعله يزكى او يذكر فتنفعه الذكرى اما من استغنى فانت له تصدى وما عليك الا يزكى واما من جاءك يسعى وهو يخشى فانت عنه تلهى. كلا
وقد قدمنا ان ما طلبه الكفار من نبينا صلى الله عليه وسلم من طرده فقراء المؤمنين وضعفائهم تكبرا عليهم وازدراء بهم طلبه ايضا قوم نوح من نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام
وانه امتنع من طردهم ايضا كقوله تعالى عنهم قالوا انؤمن لك واتبعك الارذلون وقوله عنهم ايضا ما نراك اتبعك الا الذين هم اراذلنا بادي الرأي وقال عن نوح في امتناعه من طردهم. وما انا بطارد المؤمنين. ان انا الا نذير مبين
وكقوله تعالى عنه وما انا بطارد الذين امنوا انهم ملاقوا ربهم ولكني اراكم قوما تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله ان طردتهم. افلا تذكرون وقوله واصبر نفسك فيه الدليل على ان مادة الصبر تتعدى بنفسها للمفعول
ونظير ذلك من كلام العرب قول ابي ذؤيب او عنترة؟ فصبرت عارفة بذلك حرة ترسو اذا نفس الجبان تطلع والغداة اول النهار. والعشي اخره وقال بعض العلماء يدعون ربهم بالغداة والعشي اي يصلون صلاة الصبح والعصر
والتحقيق ان الاية تشمل اعم من مطلق الصلاة والله تعالى اعلم قوله تعالى ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا نهى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الاية الكريمة
ان تعدوا عيناه عن ضعفاء المؤمنين وفقرائهم طموحا الى الاغنياء وما لديهم من زينة الحياة الدنيا ومعنى لا تعد عيناك اي لا تتجاوزهم عيناك وتنبوا عن رذاذة زيهم محتقرا لهم
طامحا الى اهل الغنى والجاه والشرف. بدلا منهم وعد يعدو تتعدى بنفسها الى المفعول وتلزم والجملة في قوله تريد زينة الحياة الدنيا في محل حال والرابط الضمير على حد قوله في الخلاصة
وذات بدء بمضارع ثبت حوت ضميرا ومن الواو خلت وصاحب الحال المذكورة هو الضمير المضاف اليه في قوله عيناك وانما صاغ ذلك لان المضاف هنا جزء من المضاف اليه على حد قوله في الخلاصة
ولا تجز حالا من المضاف له الا اذا اقتضى المضاف عمله او كان جزء ما له اضيف او مثل جزئه فلا تحييفا وما نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم
في هذه الاية الكريمة من طموح العين الى زينة الحياة الدنيا مع الاتصاف بما يرضيه جل وعلا من الثبات على الحق مجالسة فقراء المؤمنين اشار له ايضا في مواضع اخر
كقوله فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن اناء الليل فسبح واطراف النهار لعلك ترضى ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحياة الدنيا
الاية وقوله تعالى ولقد اتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم لا تمدن عينيك الى ما متعنا به ازواجا منهم. الاية قوله تعالى ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه
وكان امره فرطا نهى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الاية الكريمة عن طاعة من اغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان امره فرطا وقد كرر في القرآن
نهي نبيه صلى الله عليه وسلم عن اتباع مثل هذا الغافل عن ذكر الله المتبع هواه لقوله تعالى فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم اثما او كفورا وقوله ولا تطع الكافرين والمنافقين
ودع اذاهم الاية وقوله تعالى ودوا لو تدهن فيدهنون ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد اثيم عتل بعد ذلك زنيم الى غير ذلك من الايات
وقد امره في موضع اخر بالاعراض عن المتولين عن ذكر الله والذين لا يريدون غير الحياة الدنيا وبين له ان ذلك هو مبلغهم من العلم وذلك في قوله تعالى فاعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد الا الحياة الدنيا
ذلك مبلغهم من العلم وقوله في هذه الاية الكريمة من اغفلنا قلبه يدل على ان ما يعرض للعبد من غفلة ومعصية انما هو بمشيئة الله تعالى اذ لا يقع شيء البتة
كائنا ما كان الا بمشيئته الكونية القدرية جل وعلا وما تشاؤون الا ان يشاء الله الاية ولو شاء الله ما اشركوا ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها ولو شاء الله لجمعهم على الهدى
ختم الله على قلوبهم الاية وجعلنا على قلوبهم اكنة ان يفقهوه وفي اذانهم واقرأ الى لذلك من الايات الدالة على ان كل شيء من خير وشر لا يقع الا بمشيئة خالق السماوات والارض
كما يزعمه المعتزلة ويحاول الزمخشري في تفسيره دائما تأويل ايات القرآن على نحو ما يطابقه من استقلال قدرة العبد وارادته فافعاله دون مشيئة الله لا يخفى بطلانه كما تدل عليه الايات المذكورة انفا
وامثالها في القرآن كثيرة ومعنى اتباعه هواه انه يتبع ما تميل اليه نفسه الامارة بالسوء وتهواه من الشر كالكفر والمعاصي وقوله وكان امره فرطا قيل هو من التفريط الذي هو التقصير
وتقديم العجز بترك الايمان وعلى هذا فمعنى وكان امره فرطا اي كانت اعماله سفها وضياعا وتفريطا وقيل من الافراط الذي هو مجاوزة الحد كقول الكفار المحتقرين لفقراء المؤمنين نحن اشراف مدرة وساداتها. ان اتبعناك اتبعك جميع الناس
وهذا من التكبر والافراط في القول وقيل فرطا اي قدما في الشر من قولهم فرط منه امر اي سبق واظهر الاقوال في معنى الاية الكريمة عندي بحسب اللغة العربية التي نزل بها القرآن
ان معنى قوله فرطا اي متقدما للحق والصواب نابذا له وراء ظهره من قولهم فرس فرط اي متقدم للخيل ومنه قول لبيد في معلقته ولقد حميت الخيل تحمل شكتي فرط وشاحي اذ غدوت لجامها
والى ما ذكرنا في معنى الاية ترجع اقوال المفسرين كلها كقول قتادة ومجاهد شروطا اي ضياعا. وكقول مقاتل بن حيان فروطا اي سرفا وكقول الفراء فرطا اي متروكا وكقول الاخفش
شروط اي مجاوزا للحد الى غير ذلك من الاقوال وبهذا نأتي الى نهاية حلقتنا ايها المستمع الكريم ولنا ان شاء الله لقاء اخر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
