يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى وقل الحق من ربكم امر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم
في هذه الاية الكريمة ان يقول للناس الحق من ربكم وفي اعرابه وجهان احدهما ان الحق مبتدأ والجار والمجرور خبره. اي الحق الذي جئتكم به في هذا القرآن العظيم المتضمن لدين الاسلام كائن مبدأه من ربكم جل وعلا
فليس من وحي الشيطان ولا من افتراء الكهنة ولا من اساطير الاولين ولا غير ذلك بل هو من خالقكم جل وعلا الذي تلزمكم طاعته وتوحيده ولا يأتي من لدنه الا الحق الشامل للصدق في الاخبار والعدل في الاحكام
فلا حق الا منه جل وعلا الوجه الثاني انه خبر مبتدأ محذوف اي هذا الذي جئتكم به الحق وهذا الذي ذكره تعالى في هذه الاية الكريمة ذكره ايضا في مواضع اخر
كقوله في سورة البقرة الحق من ربك فلا تكونن من الممترين وقوله في ال عمران الحق من ربك فلا تكن من الممترين الى غير ذلك من الايات قوله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر
ظاهر هذه الاية الكريمة بحسب الوضع اللغوي التخيير بين الكفر والايمان ولكن المراد من الاية الكريمة ليس هو التخيير وانما المراد بها التهديد والتخويف والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التغيير
اسلوب من اساليب اللغة العربية والدليل من القرآن العظيم على ان المراد في الاية التهديد والتخويف انه اتبع ذلك بقوله انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا
وهذا اصرح دليل على ان المراد التهديد والتخويف اذ لو كان التخيير على بابه فما توعد فاعل احد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الاليم وهذا واضح كما ترى وقوله في هذه الاية الكريمة اعتدنا
اصله من الاعتاد والتاء فيه اصلية وليست مبدلة من دال على الاصح ومنه العتاد بمعنى العدة للشيء ومعنى اعتدنا ارصدنا واعددنا والمراد بالظالمين هنا الكفار بدليل قوله قبله ومن شاء فليكفر
وقد قدمنا كثرة اطلاق الظلم على الكفر في القرآن لقوله ان الشرك لظلم عظيم. وقوله تعالى والكافرون هم الظالمون وقوله تعالى ولا تدعوا من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك. فان فعلت فانك اذا من الظالمين
ونحو ذلك من الايات وقد قدمنا ان الظلم في لغة العرب وضع الشيء في غير محله. ومن اعظم ذلك وضع العبادة في مخلوق قد جاء في القرآن اطلاق الظلم على النقص
في قوله ولم تظلم منه شيئا واصل معنى مادة الظلم هو ما ذكرنا من وضع الشيء في غير موضعه ولاجل ذلك قيل للذي يضرب اللبن قبل ان يروب ظالم لوضعه ضرب لبنه في غير موضعه
لان ضربه قبل ان يروب يضيع زبده من هذا المعنى قول الشاعر وقائلة ظلمت لكم سقائي وهل يخفى على العكد الظليل فقوله ظلمت لكم سقائي اي ضربته لكم قبل ان يروب
ومنه قول الاخر في سقاء له ظلمه بنحو ذلك وصاحب صدق لم تربني شكاته ظلمت. وفي ظلمي له عامدا اجر وفي لغز الحريري في مقاماته الذي يضرب لبنه قبل ان يروب
قال ايجوز ان يكون الحاكم ظالما؟ قال نعم اذا كان عالما ومن ذلك ايضا قولهم للارض التي حفر فيها وليست محل حفر في السابق ارض مظلومة ومنه قول نابغة ذبيان
الا الاواري لئيا ما ابينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد وما زعمه بعضهم من ان المظلومة في البيت هي التي ظلمها المطر بتخلفه عنها وقت ابانه المعتاد غير صواب والصواب هو ما ذكرنا ان شاء الله تعالى
ولاجل ما ذكرنا قالوا للتراب المخرج من القبر عند حفره ظليم يعني مظلوم لانه حفر في غير محل الحفر المعتاد ومنه قول الشاعر يصف رجلا مات ودفن فاصبح في غبراء بعد اشاحة على العيش مردود عليها ظليمها
وقوله احاط بهم اي احدق بهم من كل جانب وقوله سرادقها اصل السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف فهو سرادق والكرشة في القطن ومنه قول رؤبة او الكذاب الحرمازي يا حكم بن المنذر بن الجارود سرادق المجد عليك ممدود
وبيت مسردق اي مجعول له سرادق ومنه قول سلامة ابن جندل يذكر ابريويز وقتله للنعمان بن المنذر تحت ارجل الفيلة هو المدخل النعمان بيتا سماؤه صدور الفيول بعد بيت مسردقي
هذا هو اصل معنى السرادق في اللغة ويطلق ايضا في اللغة على الحجرة التي حول الفسطاط واما المراد بالسرادق في الاية الكريمة ففيه للعلماء اقوال مرجعها الى شيء واحد. وهو احداق النار بهم من كل جانب
فمن العلماء من يقول سرادقها اي سورها قاله ابن الاعرابي وغيره. ومنهم من يقول سرادقها سور من نار وهو مروي عن ابن عباس ومنهم من يقول سرادقها عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة. قاله الكلبي
ومنهم من يقول هو دخان يحيط بهم وهو المذكور في المرسلات لقوله تعالى انطلقوا الى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب. والواقعة بقوله وظل من يحموم لا بارد ولا كريم
ومنهم من يقول هو البحر المحيط بالدنيا وروى يعلى بن امية عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال البحر هو جهنم ثم تلا نارا احاط بهم سرادقها ثم قال والله لا ادخلها ابدا ما دمت حيا ولا تصيبني منها قطرة
ذكره الماوردي وروى ابن المبارك من حديث ابي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسرادق النار اربعة جدر كثر كل جدار مسيرة اربعين سنة واخرجه ابو عيسى الترمذي
وقال فيه حديث حسن صحيح غريب انتهى من القرطبي وهذا الحديث رواه ايضا الامام احمد وابن جرير وابو يعلى وابن ابي حاتم وابن حبان وابو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه وابن ابي الدنيا قاله صاحب الدر المنثور وتبعه الشوكاني
وحديث يعلى ابن امية رواه ايضا ابن جرير في تفسيره قال الشوكاني ورواه احمد والبخاري وابن ابي حاتم والحاكم وصححه رواه صاحب الدر المنذور عن البخاري في تاريخه واحمد وابن ابي الدنيا وابن جرير والحاكم وصححه
وابن مردويه والبيهقي وعلى كل حال ما معنى الاية الكريمة ان النار محيطة بهم من كل جانب. كما قال تعالى لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وقال لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل
وقال لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم. ولا هم ينصرون الى غير ذلك من الايات ايها المستمع الكريم حسبنا ما مضى في هذا اللقاء
وسوف نستكمل تفسير بقية الاية ان شاء الله في لقائنا القادم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
