يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه
ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان الكتاب يوضع يوم القيامة والمراد بالكتاب جنس الكتاب ويشمل جميع الصحف التي كتبت فيها اعمال المكلفين في دار الدنيا
وان المجرمين يشفقون مما فيه اي يخافون منه وانهم يقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر اي لا يترك صغيرة ولا كبيرة من المعاصي التي عملنا الا احصاها بابا طه وحصرها
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الاية الكريمة جاء موضحا في مواضع اخر كقوله وكل انسان الزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا
وبين ان بعضهم يؤتى كتابه بيمينه وبعضهم يؤتاه بشماله وبعضهم يؤتاه وراء ظهره قال فاما من اوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم اوت كتابية الاية وقال تعالى فاما من اوتي كتابه بيمينه
فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب الى اهله مسرورا واما من اوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ذبورا ويصلى سعيرا وقد قدمنا هذا في سورة بني اسرائيل وما ذكره من وضع الكتاب هنا
ذكره في الزمر في قوله واشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق الاية وقوله في هذه الاية الكريمة فترى المجرمين تقدم معنا مثله في الكلام على قوله وترى الشمس اذا طلعت
الاية والمجرمون جمع المجرم وهو اسم فاعل الاجرام والاجرام ارتكاب الجريمة وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه عليه النكال ومعنى كونهم مشفقين مما فيه انهم خائفون مما في ذلك الكتاب
من كشف اعمالهم السيئة وفضيحتهم على رؤوس الاشهاد وما يترتب على ذلك من العذاب السرمدي وقولهم يا ويلتنا الويلة الهلكة وقد نادوا هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات فقالوا يا ويلتنا اي يا هلكتنا احضري. فهذا او ان حضورك
وقال ابو حيان في البحر المراد من بحضرتهم كانهم قالوا يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا وكذا ما جاء من نداء ما لا يعقل كقوله يا اسفا على يوسف يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله
يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا وقوله يا عجبا لهذه الفريقة وقوله فيا عجبا من رحلها المتحمل انما يراد به تنبيه من يعقل بالتعجب مما حل بالمنادي انتهى كلام ابي حيان
تحاصل ما ذكره ان اداة النداء في قوله يا ويلتنا ينادى بها محذوف وان ما بعدها مفعول فعل محذوف والتقدير كما ذكره يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا ومعلوم ان حذف المنادى
مع اثبات اداة النداء ودلالة القرينة على المنادى المحذوف مسموع في كلام العرب ومنه قول عنترة في معلقته شاتم قنص لمن حلت له حرمت علي وليتها لم تحرمي يعني يا قوم انظروا شاة قنص
وقول ذي الرمة الا يسلمي يا دار مي على البلاء ولا زال منهلا بجرعائك القطر يعني يا هذه اسلمي وقوله تعالى ما لهذا الكتاب اي اي شيء ثبت لهذا الكتاب
لا يغادر اي لا يترك صغيرة ولا كبيرة اي من المعاصي وقول من قال الصغيرة القبلة كبيرة الزنا ونحو ذلك من الاقوال في الاية انما هو على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر
وللعلماء اختلاف كثير في تعريف الكبيرة معروف في الاصول وقد صرح تعالى بان المنهيات منها كبائر ويفحم من ذلك ان منها صغائر وبين ان اجتناب الكبائر يكفر الله به الصغائر
وذلك في قوله ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم الاية ويروى عن الفضيل بن عياض في هذه الاية انه قال ضجوا من الصغائر قبل الكبائر وجملة لا يغادر حال من الكتاب
قال المؤلف اجزل الله مثوبته تنبيه هذه الاية الكريمة يفهم منها ان الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لانهم وجدوا في كتاب اعمالهم صغائر ذنوبهم محصاة عليهم فلو كانوا غير مخاطبين بها
لما سجلت عليهم في كتاب اعمالهم والعلم عند الله تعالى قوله تعالى ووجدوا ما عملوا حاضرا ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة انهم في يوم القيامة يجدون اعمالهم التي عملوها في الدنيا حاضرة محصاة عليهم
واوضح هذا ايضا في غير هذا الموضع كقوله يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو ان بينها وبينه امدا بعيدا وقوله تعالى هنالك تبلو كل نفس ما اسلفت. الاية
وقوله ينبأ الانسان يومئذ بما قدم واخر وقوله يوم تبلى السرائر الى غير ذلك من الايات قوله تعالى ولا يظلم ربك احدا ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة انه لا يظلم احدا
فلا ينقص من حسنات محسن ولا يزيد من سيئات مسيء ولا يعاقب على غير ذنب واوضح هذا المعنى في مواضع اخر كقوله ان الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس انفسهم يظلمون
وقوله تعالى ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤتي من لدنه اجرا عظيما وقوله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها
وكفى بنا حاسبين وقوله وما ربك بظلام للعبيد وقوله وما ظلمهم الله ولكن كانوا انفسهم يظلمون وقوله وما ظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون والايات بمثل ذلك كثيرة بهذا ايها المستمع الكريم
نأتي على نهاية هذا اللقاء ان يكون لنا لقاء متجدد باذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
