يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نكمل تفسير قول الله تعالى ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس
قال المؤلف رحمه الله وقوله في هذه الاية الكريمة ولقد صرفنا قال بعض العلماء مفعول صرفنا محذوف تقديره البينات والعبر وعلى هذا فمن لابتداء الغاية اي ولقد صرفنا الايات والعبر
من انواع ضرب المثل للناس في هذا القرآن ليذكروا تقابلوا ذلك بالجدال والخصام ولذا قال وكان الانسان اكثر شيء جدلا وهذا هو الذي استظهره ابو حيانة في البحر ثم قال
وقال ابن عطية يجوز ان تكون من زائدة للتوكيد التقدير ولقد صرفنا كل مثل ويكون مفعول صرفنا كل مثل وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين والاخفش لا على مذهب جمهور البصريين
انتهى الغرض من كلام صاحب البحر المحيط قال الزمخشري من كل مثل من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه انتهى وضابط ضرب المثل الذي يرجع اليه كل معانيه التي يفسر بها
هو ايضاح معنى النظير بذكر نظيره لان النظير يعرف بنظيره وهذا المعنى الذي ذكره في هذه الاية الكريمة جاء مذكورا في ايات اخر كقوله في الاسراء ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل
اكثر الناس الا كفورا وقوله تعالى ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم الا نفورا وقوله وكذلك انزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون او يحدث لهم ذكرا
وقوله ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون وقوله ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم باية
ليقولن الذين كفروا ان انتم الا مبطلون والايات بمثل ذلك كثيرة جدا وقوله في هذه الاية وكان الانسان اكثر شيء جدلا اي اكثر الاشياء التي من شأنها الخصومة ان فصلتها واحدا بعد واحد
جدلا اي خصومة ومماراة بالباطل لقصد ادحاض الحق ومن الايات الدالة على خصومة الانسان بالباطل لادحاض الحق قوله هنا ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق وقوله تعالى والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له
حجتهم داحضة عند ربهم الاية وقوله تعالى او لم يرى الانسان انا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيم مبين وقوله تعالى خلق الانسان من نطفة فاذا هو خصيم مبين الى غير ذلك من الايات
وما فسرنا به قوله تعالى وكان الانسان اكثر شيء جدلا من ان معناه كثرة خصومة الكفار ومماراتهم بالباطل ليدحضوا به الحق هو السياق الذي نزلت فيه الاية الكريمة لان قوله ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل
ويتعظوا وينيبوا الى ربهم بدليل قوله ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وقوله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتذكرون فلما اتبع ذلك بقوله وكان الانسان اكثر شيء جدلا علمنا من سياق الاية
ان الكفار اكثر الجدل والخصومة والمراء لادحاض الحق الذي اوضحه الله بما ضربه في هذا القرآن من كل مثل ولكن كون هذا هو ظاهر القرآن وسبب النزول لا ينافي تفسير الاية الكريمة بظاهر عمومها
لان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما بيناه بادلته فيما مضى ولاجل هذا لما طرق النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة رضي الله عنهما ليلة فقال الا تصليان
وقال علي رضي الله عنه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم انما انفسنا بيد الله فاذا شاء ان يبعثنا بعثنا انصرف النبي صلى الله عليه وسلم راجعا وهو يضرب فخذه
ويقول وكان الانسان اكثر شيء جدلا والحديث مشهور متفق عليه فاراده صلى الله عليه وسلم الاية على قول علي رضي الله عنه انما انفسنا بيد الله فاذا شاء ان يبعثنا بعثنا
دليل على عموم الاية الكريمة وشمولها لكل خصام وجدل لكنه قد دلت ايات اخر على ان من الجدل ما هو محمود مأمور به. لاظهار الحق كقوله تعالى وجادلهم بالتي هي احسن
وقوله تعالى ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن وقوله جدلا منصوب على التمييز على حد قوله في الخلاصة والفاعل المعنى انصبا بافعلا مفضلا فانت اعلى منزلا وقوله اكثر شيء جدلا
اي اكثر الاشياء التي يتأتى منها الجدل جدلا كما تقدم وصيغة التفضيل اذا اضيفت الى نكرة كما في هذه الاية او جردت من الاضافة والتعريف بالالف واللام لزم افرادها وتذكيرها
كما عقده في الخلاصة بقوله وان لمنكور يضف او جرد الزم تذكيرا وان يوحد وقال ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الاية الكريمة مبينا بعض الايات المبينة للمراد بجدل الانسان
في الاية الكريمة بعد ان ساق سنده الى ابن زيد في قوله وكان الانسان اكثر شيء جدلا قال الجدل الخصومة خصومة القوم لانبيائهم وردهم عليهم ما جاءوا به وقرأ ما هذا الا بشر مثلكم
يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون وقرأ يريد ان يتفضل عليكم وقرأ ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس ولمسوه بايديهم فقال الذين كفروا ان هذا الا سحر مبين وقرأ
ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا انما سكرت ابصارنا. بل نحن قوم مسحورون انتهى من تفسير الطبري ولا شك ان هذه الايات التي ذكر عن ابن زيد
انها مفسرة لجدل الانسان المذكور في الاية انها كذلك كما قدمنا ان ذلك هو ظاهر السياق وسبب النزول والايات الدالة على مثل ذلك كثيرة في القرآن العظيم والعلم عند الله تعالى
ايها المستمع الكريم حسبنا ما مضى في لقائنا اليوم ولنا ان شاء الله لقاء اخر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
