يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى يا يحيى خذ الكتاب بقوة. واتيناه الحكم صبيا
وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا اعلم اولا انا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك
ان من انواع البيان التي تضمنها ان يذكر شيء مع بعض صفاته وله صفات اخر مذكورة في موضع اخر فانا نبينها وقد مر فيه امثلة كثيرة من ذلك واكثرها في الموصوفات
من اسماء الاجناس لا الاعلام وربما ذكرنا ذلك في صفات الاعلام كما هنا واذا علمت ذلك فاعلم انه تعالى ذكر في هذه الاية الكريمة بعض صفات يحيى وقد ذكر شيئا من صفاته ايضا
في غير هذا الموضع وسنبين ان شاء الله المراد بالمذكور منها هنا والمذكور في غير هذا الموضع اعلم انه هنا وصفه بانه قال له يا يحيى خذ الكتاب بقوة ووصفه بقوله
واتيناه الحكم الى قوله ويوم يبعث حيا فقوله يا يحيى خذ الكتاب نقول قول محذوف اي وقلنا له يا يحيى خذ الكتاب بقوة والكتاب التوراة اي خذ التوراة بقوة بجد واجتهاد
وذلك بتفهم المعنى اولا حتى يفهمه على الوجه الصحيح ثم يعمل به من جميع الجهات ويعتقد عقائده ويحل حلاله ويحرم حرامه ويتأدب بآدابه ويتعظ بمواعظه الى غير ذلك من جهات العمل به
وعامة المفسرين على ان المراد بالكتاب هنا التوراة وحكى غير واحد عليه الاجماع وقيل هو كتاب انزل على يحيى وقيل هو اسم جنس يشمل الكتب المتقدمة وقيل هو صحف ابراهيم
والاظهر قول الجمهور انه التوراة كما قدمنا وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة واتيناه الحكم اي اعطيناه الحكم وللعلماء في المراد بالحكم اقوال متقاربة مرجعها الى شيء واحد وهو ان الله اعطاه الفهم في الكتاب
اي ادراك ما فيه والعمل به في حال كونه صبيا قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الاية واتيناه الحكم صبيا اي الفهم والعلم والجد والعزم والاقبال على الخير
والاكباب عليه والاجتهاد فيه وهو صغير حدث قال عبدالله بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى ابن زكريا اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا ولهذا انزل الله واتيناه الحكم صبيا
وقال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير هذه الاية الكريمة واتيناه الحكم صبيا يقول تعالى ذكره واعطيناه الفهم بكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه اسنان الرجال وقد حدثنا احمد بن منيع
قال حدثنا عبد الله ابن المبارك قال اخبرني مع عمر ولم يذكره عن احد في هذه الاية واتيناه الحكم صبيا قال بلغني ان الصبيان قالوا ليحيى اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا
فانزل الله واتيناه الحكم صبيا وقال الزمخشري في الكشاف واتيناه الحكم اي الحكمة ومنه قول نابغة ذبيان واحكم كحكم فتاة الحي اذ نظرت الى حمام سراع وارد الثمد وقال ابو حيان في البحر في تفسير هذه الاية
والحكم النبوة او حكم الكتاب او الحكمة او العلم بالاحكام او اللب وهو العقل او اداب الخدمة او الفراسة الصادقة اقوال قال مقيده عفا الله عنه وغفر له الذي يظهر لي
هو ان الحكم يعم العلم النافع والعمل به وذلك بفهم الكتاب السماوي فهما صحيحا والعمل به حقا فان هذا يشمل جميع اقوال العلماء في الاية الكريمة واصل معنى الحكم المنع
والعلم النافع والعمل به يمنع الاقوال والافعال من الخلل والفساد والنقصان وقوله تعالى صبيا اي لم يبلغ وهو الظاهر وقيل صبيا اي شابا لم يبلغ سن الكهولة ذكره ابو حيان وغيره
والظاهر الاول قيل ابن ثلاث سنين وقيل ابن سبع وقيل ابن سنتين والله اعلم وقوله في هذه الاية الكريمة وحنانا معطوف على الحكم هاي وقعتيناه حنانا من لدنا والحنان هو ما جبل عليه من الرحمة والعطف والشفقة
واطلاق الحنان على الرحمة والعطف مشهور في كلام العرب ومنه قولهم حنانك وحنانيك يا رب بمعنى رحمتك ومن هذا المعنى قول امرئ القيس ابنت الحارث الملك ابن عمرو له ملك العراق الى عمان
ويمنحها بنو شمج بن جرم معيزهم حنانك ذا الحنان يعني رحمتك يا رحمن وقول طرفة ابن العبد ابا منذر افنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر اهون من بعض وقول منذر بن درهم الكلبي
واحدث عهد من امينة نظرة على جانب العلياء اذ انا واقف وقالت حنان ما اتى بك ها هنا اذو نسب ام انت بالحي اعرف وقوله حنان اي امري حنان اي رحمة لك
وعطف وشفقة عليك وقول الحطيئة او غيره تحنن علي هداك المليك فان لكل مقام مقالة وقوله تعالى من لدنا اي من عندنا واصح التفسيرات في قوله وزكاة انه معطوف على ما قبله
اي واعطيناه زكاة اي طهارة من ادران الذنوب والمعاصي بالطاعة والتقرب الى الله بما يرضيه وقد قدمنا في سورة الكهف الايات الدالة على اطلاق الزكاة في القرآن بمعنى الطهارة فاغنى ذلك عن اعادته هنا
وقال ابو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الاية وزكاة الزكاة التطهير والبركة والتنمية في وجوه الخير اي جعلناه مباركا للناس يهديهم وقيل المعنى زكيناه بحسن الثناء عليه
كما يزكي الشهود انسانا وقيل زكاة صدقة على ابويه قاله ابن قتيبة انتهى كلام القرطبي وهو خلاف التحقيق في معنى الاية والتحقيق فيه ان شاء الله هو ما ذكرنا من ان المعنى واعطيناه زكاة. اي طهارة من الذنوب والمعاصي
بتوفيقنا اياه للعمل بما يرضي الله تعالى وقول من قال من العلماء بان المراد بالزكاة في الاية العمل الصالح راجع الى ما ذكرنا لان العمل الصالح هو الذي به الطهارة من الذنوب والمعاصي
وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة وكان تقيا اي ممتثلا لاوامر ربه مجتنبا كل ما نهى عنه ولذا لم يعمل خطيئة قط ولم يلم بها قاله القرطبي وغيره عن قتادة وغيره
وفي نحو ذلك احاديث مرفوعة والظاهر انه لم يثبت شيء من ذلك مرفوعا اما بانقطاع واما بعنعنة مدلس واما بضعف راو كما اشار له ابن كثير وغيره وقد قدمنا معنى التقوى مرارا
واصل مادتها في اللغة العربية ايها المستمع الكريم ليكفنا ما مضى في هذا اللقاء على امل ان يتجدد لقاؤنا ان شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
