يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة  بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى واذكر في الكتاب مريم اذ انتبذت من اهلها مكانا شرقيا
امر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الاية الكريمة ان يذكر في الكتاب وهو القرآن مريم حين انتبذت من اهلها مكانا شرقيا وقوله انتبذت اي تنحت عنهم واعتزلتهم
منفردة عنهم وقوله مكانا شرقيا اي مما يلي شرقي بيت المقدس وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة  بدلوا اشتمال بدلوا اشتمال من مريم لان الاحيان مشتملة على ما فيها اشتمال الظرف على مظروفه
قاله الزمخشري في الكشاف واعترضه عليه ابو البقاء وابو حيان والظاهر سقوط اعتراضهما وان الصواب معه والله تعالى اعلم ولم يذكر هنا شيئا عن نسب مريم ولا عن قصة ولادتها
وبين في غير هذا الموضع انها ابنة عمران وان امها نذرت ما في بطنها محررا تعني لخدمة بيت المقدس تظن انها ستلد ذكرا فولدت مريم قال في بيان كونها ابنة عمران
ومريم ابنة عمران التي احصنت فرجها الاية وذكر قصة ولادتها في ال عمران في قوله اذ قالت امرأة عمران ربي اني نذرت لك ما في بطني محررا وتقبل مني انك انت السميع العليم
فلما وضعتها قالت ربي اني وضعتها انثى والله اعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى واني سميتها مريم واني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم وتقبلها ربها بقبول حسن وانبتها نباتا حسنا
وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا. قال يا مريم انى لك هذا قالت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب وقوله مكانا
منصوب لانه ظرف قوله تعالى فاتخذت من دونهم حجابا فارسلنا اليها روحنا اظهر الاقوال ان المراد بقوله روحنا جبريل ويدل لذلك قوله نزل به الروح الامين الاية وقوله قل نزله روح القدس من ربك بالحق
الاية واضافته الى الله اضافة تشريف وتكريم قوله تعالى فتمثل لها بشرا سويا تمثله لها بشرا سويا المذكور في الاية يدل على انه ملك وليس بادمي وهذا المدلول صرح به تعالى
في قوله اذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم. الاية وهذا الذي بشرها به والذي قال لها هنا انما انا رسول ربك
لاهب لك غلاما ذكيا وقوله بشرا سويا حالان من ضمير الفاعل في قوله تمثل لها قوله تعالى قال انما انا رسول ربك لاهب لك غلاما ذكيا ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة
ان ذلك الروح الذي هو جبريل قال لها انه رسول ربها ليهب لها اي ليعطيها غلاما اي ولدا زكيا اي طاهرا من الذنوب والمعاصي كثير البركات وبين في غير هذا الموضع
كثيرا من صفات هذا الغلام الموهوب لها وهو عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كقوله ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين
ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين وقوله ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل ورسولا الى بني اسرائيل اني قد جئتكم باية من ربكم اني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير
سأنفخ فيه فيكون طيرا باذن الله وابرئ الاكمه والابرص واحيي الموتى باذن الله وانبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم الاية الى غير ذلك من الايات المشتملة على صفات هذا الغلام
وقرأ هذا الحرف ابو عمرو وورش عن نافع وقالون عنه ايضا بخلف عنه ليهب بالياء المفتوحة بعد اللام اي ليهب لك هو اي ربك غلاما زكيا وقرأ الباقون لاهب بهمزة المتكلم
اي لاهب لك انا ايها الرسول من ربك غلاما زكيا وفي معنى اسناده الهبة الى نفسه على قراءة الجمهور خلاف معروف بين العلماء قال المؤلف رحمه الله واظهروا الاقوال في ذلك عندي
ان المراد بقول جبريل لها انما انا رسول ربك لاهب لك غلاما ذكيا اي لاكون سببا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع الذي وصل الى الفرج وصار بسببه حملها عيسى
وبين تعالى في سورة التحريم ان هذا النفخ في فرجها في قوله تعالى ومريم ابنة عمران التي احصنت فرجها ونفخنا فيه من روحنا الاية والضمير في قوله فيه راجع الى فرجها
ولا ينافي ذلك قوله تعالى في الانبياء والتي احصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا لان النفخ وصل الى الفرج فكان منه حمل عيسى وبهذا فسر الزمخشري في الكشاف الاية وقال بعض العلماء
قول جبريل لاهب لك غلاما حكاية منه لقول الله جل وعلا وعليه والمعنى انما انا رسول ربك وقد قال لي ارسلتك لاهب غلاما والاول اظهر وفي الثاني بعد عن ظاهر اللفظ
وقال بعض العلماء جعل الهبة من قبله لما كان الاعلام بها من قبله وبهذا صدر القرطبي في تفسيره واظهرها الاول والعلم عند الله تعالى بهذا ايها المستمع الكريم امل ان يتجدد بنا وبكم اللقاء وانتم بخير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
