يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نواصل مع المؤلف حديثه حول قول الله تعالى وهزي اليك بجذع النخلة
الاية قال رحمه الله مسألة اخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الاية الكريمة وهزي اليك بجذع النخلة الاية ان السعي والتسبب في تحصيل الرزق امر مأمور به شرعا
وانه لا ينافي التوكل على الله جل وعلا وهذا امر كالمعلوم من الدين بالضرورة ان الاخذ بالاسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا امر مأمور به شرعا لا ينافي التوكل على الله بحال
لان المكلف يتعاطى السبب امتثالا لامر ربه مع علمه ويقينه انه لا يقع الا ما يشاء الله وقوعه فهو متوكل على الله عالم انه لا يصيبه الا ما كتب الله له من خير او شر
ولو شاء الله تخلف تأثير الاسباب عن مسبباتها لتخلف ومن اصرح الادلة في ذلك قوله تعالى قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم. الاية فطبيعة الاحراق في النار معنى واحد لا يتجزأ الى معان مختلفة
ومع هذا احرقت الحطب فصار رمادا من حرها في الوقت الذي هي فيه كائنة بردا وسلاما على ابراهيم فدل ذلك دلالة قاطعة على ان التأثير حقيقة انما هو بمشيئة خالق السماوات والارض
وانه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الاسباب وانه لا تأثير لشيء من ذلك الا بمشيئته جل وعلا ومن اوضح الادلة في ذلك انه ربما جعل الشيء سببا لشيء اخر
مع انه مناف له كجعله ضرب ميت بني اسرائيل ببعض من بقرة مذبوحة سببا لحياته وضربه بقطعة ميتة من بقرة ميتة مناف لحياته اذ لا تكسب الحياة من ضرب بميت
وذلك يوضح انه جل وعلا يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الاسباب ولا يقع تأثير البتة الا بمشيئته جل وعلا. ومما يوضح ان تعاطي الاسباب لا ينافي التوكل على الله
قوله تعالى عن يعقوب وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد. وادخلوا من ابواب متفرقة امرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب. وتسبب في ذلك بالامر به لانه يخاف عليهم ان تصيبهم الناس بالعين
لانهم احد عشر رجلا ابناء رجل واحد وهم اهل جمال وكمال وبسطة في الاجسام فدخولهم من باب واحد مظنة لان تصيبهم العين. فامرهم بالتفرق والدخول من ابواب متفرقة تعاطيا للسبب
في السلامة من اصابة العين كما قال غير واحد من علماء السلف ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ابواب متفرقة
وما اغني عنكم من الله من شيء ان الحكم الا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله لا تدخلوا من باب واحد وبين التوكل على الله في قوله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون
وهذا امر معلوم لا يخفى الا على من طمس الله بصيرته والله جل وعلا قادر على ان يسقط لها الرطب من غير هز الجذع. ولكنه امرها بالتسبب في اسقاطه بهز الجذع
وقد قال بعضهم في ذلك المتر ان الله قال لمريم وهزي اليك الجذع يا الساقط الرطب ولو شاء ان تجنيه من غير هزه جنته ولكن كل شيء له سبب وقد اخذ بعض العلماء من هذه الاية
ان خير ما تطعمه النفساء الرطب قالوا لو كان شيء احسن للنفساء من الرطب لاطعمه الله مريم وقت نفاسها بعيسى قاله الربيع ابن خيثم وغيره والباء في قوله وهزي اليك بجذع النخلة مزيدة للتوكيد
لان فعل الهز يتعدى بنفسه وزيادة حرف الباء للتوكيد قبل مفعول الفعل المتعدي بنفسه كثيرة في القرآن وفي كلام العرب فمنه في القرآن قوله هنا وهزي اليك بجذع النخلة لان المتبادر من اللغة ان الاصل وهزي اليك جذع النخلة
وقوله تعالى ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة وقوله ومن يرد فيه بالحاد بظلم الاية وقوله فستبصر ويبصرون بايكم المفتون الاية وقوله تنبت بالدهن على قراءة ابن كثير وابي عمرو بضم التاء وكسر الباء
مضارع انبت الرباعي لان الرباعي الذي هو انبت ينبت بضم الياء المثناة وكسر الباء الموحدة يتعدى بنفسه دون الحرف فالباء مزيدة للتوكيد كما رأيت في الايات المذكورة ونظير ذلك من كلام العرب
قول الراعي النميري هن الحرائر لا ربات اخمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسور. فالاصل لا يقرأن السور فزيدت الباء لما ذكر وقول يعلى الاحول يشكر او غيره بواد يمان ينبت صدره واسفله بالمرخ
الاصل واسفله المرخى. اي وينبت اسفله المرخ ازيدت الباء لما ذكر وقول الاعشى ضمنت برزق عيالنا ارماحنا ملء المراجل والصريح الاجردا الاصل ضمنت رزق عيالنا وقول الراجس نحن بنو جعدة اصحاب الفلج
نضرب بالسيف ونرجو بالفرج اي نرجو الفرج وقول امرئ القيس فلما تنازعنا الحديث واسمحت حصرت بغصن ذي شماريخ ميال بل اصلها صرت غصنا لانها تتعدى بنفسها وامثال هذا كثيرة في كلام العرب
وفي قوله تعالى في هذه الاية الكريمة تتساقط تسع قراءات ثلاث منها سبعية وست شاذة اما الثلاثة السبعية فقد قرأه حمزة وحده من السبعة تساقط بفتح التاء وتخفيف السين وفتح القاف
اصله تتساقط فحذفت احدى التائين وعلى هذه القراءة فقوله رطبا تمييز محول عن الفاعل وقرأه حفص وحده عن عاصم تساقط بضم التاء وكسر القاف وتخفيف السين مبارع ساقطت تساقط وعلى هذه القراءة فقوله رطبا
مفعول به للفعل الذي هو تساقط. هي اي النخلة رطبا وقرأه بقية السبعة تتساقط بفتح التاء والقاف وتشديد السين اصله تتساقط فادغمت احدى التاعين في السين وعلى قراءة الجمهور هذه فقوله رطبا
تمييز محول عن الفاعل كاعرابه على قراءة حمزة وغير هذا من القراءات شاذ وقوله في هذه الاية الكريمة رطبا جنيا الجني هو ما طاب وصلح لان يجنى فيأكل وعن ابي عمرو بن العلاء
ان الجني هو الذي لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي متناوله بهذا ايها المستمع الكريم نأتي على نهاية لقائنا املا ان يتجدد بنا وبكم اللقاء ان شاء الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
