يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى فالقي السحرة سجدا الو امنا برب هارون وموسى
ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان سحرة فرعون لما عاينوا عصا موسى تبتلع جميع حبالهم وعصيهم خروا سجدا لله تعالى قائلين امنا بالله الذي هو رب هارون وموسى
وهداهم الله بذلك البرهان الالهي هذه الهداية العظيمة وقد اوضح تعالى هذا المعنى في مواضع اخر كقوله في الاعراف واوحينا الى موسى ان القي عصاك فاذا هي تلقف ما يأفكون
فالقي السحرة ساجدين قالوا امنا برب العالمين. رب موسى وهارون وقوله في الشعراء فالقى موسى عصاه فاذا هي تلقف ما يأفكون فالقي السحرة ساجدين قالوا امنا برب العالمين. رب موسى وهارون
وقوله فالقي يدل على قوة البرهان الذي عاينوه كانهم امسكهم انسان والقاهم ساجدين بالقوة لعظم المعجزة التي عاينوها وذكر في قصتهم انهم عاينوا منازلهم في الجنة في سجودهم قال المؤلف اجزل الله مثوبته والظاهر ان ذلك من نوع الاسرائيليات
واطلق عليهم اسم السحرة في حال سجودهم لله مؤمنين به نظرا الى حالهم الماضية كقوله واتوا اليتامى اموالهم واطلق عليهم اسم اليتم بعد البلوغ نظرا الى الحال الماضية كما هو معروف في محله
والظاهر ان تقديم هارون على موسى في هذه الاية لمراعاة فواصل الايات واعلم ان علم السحر مع خسته وان الله صرح بانه يضر ولا ينفع قد كان سببا لايمان سحرة فرعون
لانهم لمعرفتهم بالسحر عرفوا ان معجزة العصا خارجة عن طور السحر وانها امر الهي فلم يداخلهم شك في ذلك فكان ذلك سببا لايمانهم الراسخ الذي لا يزعزعه الوعيد والتهديد ولو كانوا غير عالمين بالسحر جدا
لامكن ان يظنوا ان مسألة العصا من جنس الشعوذة والعلم عند الله تعالى قوله تعالى قال امنتم له قبل ان اذن لكم انه لكبيركم الذي علمكم السحر ولاقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف
ولاصلبنكم في جوع النخل ولتعلمن اينا اشد عذابا وابقى ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان سحرة فرعون لما امنوا برب هارون وموسى قال لهم فرعون منكرا عليهم امنتم له
اي صدقتموه في انه نبي مرسل من الله؟ وامنتم بالله قبل ان اذن لكم يعني انهم لم يكفوا عن الايمان حتى يأذن لهم لانه يزعم انهم لا يحق لهم ان يفعلوا شيئا الا بعد اذنه هو لهم
وقال لهم ايضا ان موسى هو كبيرهم. اي كبير السحرة واستاذهم الذي علمهم السحر ثم هددهم مقسما على انه يقطع ايديهم وارجلهم من خلاف يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى مثلا
لانه اشد على الانسان من قطعهما من جهة واحدة لانه ان كان قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شق كامل صحيح بخلاف قطعهما من خلاف الجنب الايمن يضعف بقطع اليد والايسر يضعف بقطع الرجل كما هو معلوم
وانه يصلبهم في جذوع النخل وجذع النخلة هو اخشن جذع من جذوع الشجر والتصليب عليه اشد من التصليب على غيره من الجذوع كما هو معروف وما ذكره جل وعلا عنه هنا
اوضحه في غير هذا الموضع ايضا كقوله في سورة الشعراء قال امنتم له قبل ان اذن لكم انه لكبيركم الذي علمكم السحر ولسوف تعلمون لاقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف. ولاصلبنكم اجمعين
وذكر هذا ايضا في سورة الاعراف وزاد فيها التصريح بفاعل. قال ادعاء فرعون ان موسى والسحرة تمالؤوا على ان يظهروا انه غلبهم مكرا ليتعاونوا على اخراج فرعون وقومه من مصر
وذلك في قوله قال فرعون امنتم به قبل ان اذن لكم ان هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها اهلها وسوف تعلمون لاقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف ثم لاصلبنكم اجمعين
وقوله في طه ولاصلبنكم في جذوع النخل يبين ان التصليب في جذوع النخل هو مراده بقوله في الاعراف والشعراء لاصلبنكم اجمعين اي في جذوع النخل وتعدية التصليب في اسلوب عربي معروف
ومنه قول سويد بن ابي كاهل صلب العبد في جذع نخلة فلا عظمت شيبان الا باجدعا ومعلوم عند علماء البلاغة ان في مثل هذه الاية استعارة تبعية في معنى الحرف
كما سيأتي ان شاء الله تعالى ايضاح كلامهم في ذلك ونحوه في سورة القصص وقد اوضحنا في كتابنا المسمى منع جواز المجاز المنزل للتعبد والاعجاز ان ما يسميه البلاغيون من انواع المجاز مجازا
كلها اساليب عربية. نطقت بها العرب في لغتها وقد بينا وجه عدم جواز المجاز في القرآن وما يترتب على ذلك من المحذور وقوله في هذه الاية الكريمة ولتعلمن اينا اشد عذابا وابقى
قال بعض اهل العلم لتعلمن اينا اي انا ام رب موسى اشد عذابا وابقى واقتصر على هذا القرطبي وعليه ففرعون يدعي ان عذابه اشد وابقى من عذاب الله وهذا كقوله انا ربكم الاعلى
وقوله ما علمت لكم من اله غيري وقوله لان اتخذت الها غيري لاجعلنك من المسجونين وقال بعضهم لتعلمن اينا انا ام موسى اشد عذابا وابقى وعلى هذا فهو كالتهكم بموسى لاستظعافه له
وانه لا يقدر على ان يعذب من لم يطع لقوله ام انا خير من هذا الذي هو مهين. الاية والله جل وعلا اعلم واعلم ان العلماء اختلفوا. هل فعل بهم فرعون ما توعدهم به؟ او لم يفعله بهم
وقال قوم قتلهم وصلبهم وقوم انكروا ذلك قال المؤلف رحمه الله واظهرهما عندي انه لم يقتلهم وان الله عصمهم منه لاجل ايمانهم الراسخ بالله تعالى لان الله يقول لموسى وهارون
انتما ومن اتبعكما الغالبون والعلم عند الله تعالى لهذا ايها المستمعون الكرام نأتي على نهاية هذه الحلقة املين ان تجمعنا بكم حلقات قادمة ان شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
