يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى انه من يأتي ربه مجرما فان له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى
ذكر الله جل وعلا في هذه الاية الكريمة انه اي الامر والشأن من يأتي ربه يوم القيامة في حال كونه مجرما اي مرتكبا الجريمة في الدنيا حتى مات على ذلك
الكافر عياذا بالله تعالى فان له عند الله جهنم يعذب فيها فلا يموت فيستريح ولا يحيى حياة فيها راحة وهذا الذي ذكره هنا اوضحه في غير هذا الموضع كقوله والذين كفروا لهم نار جهنم. لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها. كذلك نجزي
كله كفور وقوله تعالى واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يصيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ
وقوله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب وقوله تعالى ويتجنبها الاشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى وقوله تعالى ونادوا يا مالك ليقضي علينا ربك. قال انكم ماكثون
الى غير ذلك من الايات ونظير ذلك من كلام العرب قول عبيد الله ابن عبد الله ابن عتبة ابن مسعود احد فقهاء المدينة السبعة الا من لنفس لا تموت فينقضي شقاها
ولا تحيا حياة لها طعم قوله تعالى ومن يأتيه مؤمنا قد عمل الصالحات فاولئك لهم الدرجات العلى ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان من يأتيه يوم القيامة في حال كونه مؤمنا قد عمل الصالحات
اي في الدنيا حتى مات على ذلك فاولئك لهم عند الله الدرجات العلى والعلا جمع عليا. وهي تأنيث الاعلى وقد اشار الى هذا المعنى في غير هذا الموضع لقوله تعالى وللاخرة
اكبر درجات واكبر تفضيلا وقوله ولكل درجات مما عملوا ونحو ذلك من الايات قوله تعالى ولقد اوحينا الى موسى ان اسري بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى
ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة انه اوحى الى نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ان يسري بعباده وهم بنو اسرائيل فيخرجهم من قبضة فرعون ليلا وان يضرب لهم طريقا في البحر يبسا
اي يابسا لا ماء فيه ولا بلل وانه لا يخاف دركا من فرعون وراءه ان يناله بسوء ولا يخشى من البحر امامه ان يغرق قومه وقد اوضح هذه القصة في غير هذا الموضع
كقوله في سورة الشعراء واوحينا الى موسى ان اسري بعبادي انكم متبعون فارسل فرعون في المدائن حاشرين. ان هؤلاء لشرذمة قليلون وانهم لنا لغائضون وانا لجميع حاذرون فاخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم. كذلك واورثناها بني اسرائيل. فاتبعوهم مشرقين
فلما تراءى الجمعان قال اصحاب موسى انا لمدركون. قال كلا ان معي ربي سيهدين فاوحينا الى موسى ان اضرب بعصاك البحر. فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وقوله في الشعراء
هنضرب بعصاك البحر فانفلق اي فضربه فانفلق يوضح معنى قوله فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا وقوله قال اصحاب موسى انا لمدركون قال كلا ان معي ربي سيهدين. الاية يوضح معنى قوله لا تخاف دركا ولا تخشى
وقد اشار تعالى الى ذلك في قوله في الدخان فدعا ربه ان هؤلاء قوم مجرمون واسري بعبادي ليلا انكم متبعون واترك البحر رهوا. انهم جند مغرقون الى غير ذلك من الايات
وقد قدمنا طرفا من ذلك في سورة البقرة والقصة معروفة واضحة من القرآن العظيم وقرأ نافع وابن كثير انسري بهمزة وصل وكسر نون ان لالتقاء الساكنين. والباقون قرؤوا ان اسري بهمزة قطع مفتوحة مع اسكان نون ان
وقد قدمنا في سورة هود ان اسرى وسرى لغتان وبينا شواهد ذلك العربية  وقرأ حمزة لا تخف بسكون الفاء بدون الف بين الخاء والفاء وهو مجزوم لانه جزاء الطلب اي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخف
وقد قدمنا ان نحو ذلك من الجزم بشرط محذوف تدل عليه صيغة الطلب اي ان تضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخف وعلى قراءة الجمهور لا تخافوا بالرفع فلا اشكال في قوله ولا تخشى
لانه فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الالف معطوف على فعل مضارع مرفوع هو قوله لا تخافوا واما على قراءة حمزة لا تخف بالجزم ففي قوله ولا تخشى اشكال معروف
وهو انه معطوف على مضارع مجزوم وذلك يقتضي جزمه ولو جزم لحذفت الالف من تخشى على حد قوله في الخلاصة واحذف جازما ثلاثهن تقضي حكما لازما والالف لم تحذف فوقع الاشكال بسبب ذلك
واجيب عنه من ثلاثة اوجه. الاول ان ولا تخشى مستأنف خبر مبتدأ محذوف تقديره وانت لا تخشى ايوة من شأنك انك امن لا تخشى والثاني ان الفعل مجزوم والالف ليست هي الالف التي في موضع لام الكلمة
ولكنها زيدت للاطلاق من اجل الفاصلة كقوله فاضلونا السبيلا. وقوله وتظنون بالله الظنونا والثالث ان اشباع الحركة بحرف مد يناسبها اسلوب معروف من اساليب اللغة العربية كقول عبدي يغوث ابن وقاص الحارثي
وتضحك مني شيخة عبشمية تألم ترى قبلي اسيرا يمانيا القول الراجز اذا العجوز غضبت فطلقي ولا ترضاها ولا تملقي وقولي الاخر قلت وقد خرت على الكلكال يا ناقتي ما جلتي من مجالي
وقول عنترة في معلقته ينباع من ظفرى غضوب جسرة زيافة مثل الفريق المقدم فالاصل في البيت الاول كان لم تر ولكن الفتحة اشبعت والاصل في الثاني ولا تربها. ولكن الفتحة اشبعت
والاصل في الثالث على الكلكل يعني الصدر ولكن الفتحة اشبعت والاصل في الرابع ينبع يعني ان العرق ينبع من عظم الذفرة من ناقته على التحقيق ولكن الفتحة اشبعت واشباع الفتحة بالف في هذه الابيات وامثالها مما لم نذكره
ليس لضرورة الشعر بتصريح علماء العربية بانه اسلوب عربي معروف ويؤيد ذلك انه مسموع في النثر لقولهم في النذر كالكان وخاتام وداناق يعنون كلكلا وخاتما ودانقا وقد اوضحنا هذه المسألة. واكثرنا من شواهدها العربية في كتابنا دفع ايهام الاضطراب عن ايات الكتاب
في سورة البلد في الكلام على قوله لا اقسم بهذا البلد مع قوله وهذا البلد الامين وقال الزمخشري في تفسير هذه الاية فاضرب لهم طريقا فاجعل لهم طريقا من قولهم ضرب له في ماله سهما
وضرب اللبن عمله انتهى والتحقيق ان يبسا صفة مشبهة جاءت على فعل بفتحتين كبطل وحسن وقال الزمخشري اليبس مصدر وصف به يقال يبس يبسا ويبسا ونحوهما الادم والعدم ومن ثم وصف به المؤنث
فقيل شعتنا يبس وناقتنا يبس اذا جف لبنها ايها المستمع الكريم حسبنا في هذا اللقاء ما مضى ولنا باذن الله تعالى لقاء اخر السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
