يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نمضي مع المؤلف رحمه الله
في بعض مسائل عقدها حول الاجتهاد في تفسير قوله تعالى وداوود وسليمان الاية قال اجزل الله مثوبته اعلم ان الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجتهدون في مسائل الفقه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
ولم ينكر عليهم وبعد وفاته من غير نكير وسنذكر هنا ان شاء الله تعالى امثلة كثيرة لذلك ومن ذلك امره صلى الله عليه وسلم اصحابه ان يصلوا العصر في بني قريظة
فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق وقال لم يرد منا تأخير العصر وانما اراد سرعة النهوض فنظروا الى المعنى واجتهد اخرون واخروها الى بني قريظة فصلوها ليلا وقد نظروا الى اللفظ
وهؤلاء سلف اهل الظاهر واولئك سلف اصحاب المعاني والقياس ومنها ان عليا رضي الله عنه لما كان باليمن اتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام فقال كل منهم هو ابني فاقرع بينهم
فجعل الولد للقارع وجعل عليه للرجلين الاخرين ثلثي الدية وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجده من قضاء علي رضي الله عنه ومنها اجتهاد سعد بن معاذ رضي الله عنه
في حكمه في بني قريظة وقد صوبه النبي صلى الله عليه وسلم وقال لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات ومنها اجتهاد الصحابيين الذين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء
فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فاعاد احدهما ولم يعد الاخر فصوبهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال للذي لم يعد اصبت السنة واجزأتك صلاتك وقال للاخر لك الاجر مرتين
ومنها اجتهاد مجزز المدلجي بالقيافة اذ قال ان اقدام زيد واسامة بعضها من بعض وقد سر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حتى برقت اسارير وجهه وذلك دليل على صحة الحاق ذلك القائف
الفرع بالاصل مع ان زيدا ابيض واسامة اسود فالحق هذا القائد الفرع بنظيره واصله والغى وصف السواد والبياض الذي لا تأثير له في الحكم ومنها اجتهاد ابي بكر الصديق رضي الله عنه في الكلالة
قال اقول فيها برأيي فان يكن صوابا فمن الله وان يكن خطأ فمني ومن الشيطان اراهما خلا الوالد والولد فلما استخلف عمر قال اني لاستحي من الله ان ارد شيئا قاله ابو بكر
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له ومن اغرب الاشياء عندي ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من ان النبي صلى الله عليه وسلم اشار له الى معنى الكلالة اشارة واضحة
ظاهرة جدا ولم يفهمها عنه مع كمال فهمه وعلمه وان الوحي ينزل مطابقا لقوله مرارا وذلك انه رضي الله عنه قال ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء
اكثر ما سألته عن الكلالة حتى طعن باصبعه في صدري وقال تكفيك اية الصيف التي في اخر سورة النساء وهذا الارشاد من النبي صلى الله عليه وسلم واضح كل الوضوح
بانه يريد ان الكلالة هي ما عدا الولد والوالد لان اية الصيف المذكورة التي اخبره انها تكفيه دلت على ذلك دلالة كافية واضحة وقوله تعالى فيها ان امرؤ هلك ليس له ولد
صريح بان الكلالة لا يكون فيها ولد وقوله فيها وله اخ او اخت يدل بالالتزام على انها لا اب فيها لان الاخوة والاخوات لا يرثون مع الاب وذلك مما لا نزاع فيه
وظهر ان اية الصيف المذكورة تدل بكل وضوح على ان الكلالة ما عدا الولد والوالد ولم يفهم عمر رضي الله عنه الاشارة النبوية المذكورة فالكمال التام لله جل وعلا وحده
سبحانه وتعالى علوا كبيرا ومنها اجتهاد ابن مسعود رضي الله عنه في المرأة التي توفي زوجها ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها فقال اقول فيها برأيي فان كان صوابا فمن الله
لها كمهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة وقد شهد لابن مسعود بعض الصحابة ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى بنحو ذلك في بروعة بنت واشق
ففرح بذلك ومنها اجتهاد الصحابة في ان ابا بكر رضي الله عنه اولى من غيره بالامامة لان النبي صلى الله عليه وسلم قدمه على غيره في امامة الصلاة ومنها اجتهاد ابي بكر في العهد بالخلافة الى عمر
سواء قلنا انه من المصالح المرسلة او قلنا انه قاسى العهد بالولاية على العقد لها ومن ذلك اجتهادهم في جمع المصحف بالكتابة ومن ذلك اجتهادهم في الجد والاخوة والمشتركة المعروفة بالحمارية واليمية
ومنها اجتهاد ابي بكر في التسوية بين الناس في العطاء واجتهاد عمر في تفضيل بعضهم على بعض فيه ومنها اجتهادهم في جلد السكران ثمانين قالوا اذا سكر هذا واذا هذا افترى
حدوه حد الفرية وامثال هذا كثيرة جدا وهي تدل على ان اجتهاد الصحابة في مسائل الفقه متواتر معنى فان الوقائع منهم في ذلك وان لم تتواتر احادها فمجموعها يفيد العلم اليقيني
لتواترها معنى كما لا يخفى على من عرف ذلك ورسالة عمر بن الخطاب الى ابي موسى المتضمنة لذلك مشهورة قال المؤلف رحمه الله وامثال هذا كثيرة فلو تقصيناها لطال الكلام جدا
وهذه الوقائع التي ذكرنا وامثالها مما لم نذكر تدل دلالة قطعية على ان الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستعملون القياس في الاحكام ويعرفونها بالامثال والاشباه والنظائر ولا يلتفت الى من يقدح في كل سند من اسانيدها
فانها في كثرة طرقها واختلاف مخارجها وانواعها جارية مجرى التواتر المعنوي الذي لا شك فيه وان لم يثبت كل فرد من الاخبار بها كما هو معروف في اصول الفقه وعلم الحديث
بهذا ايها المستمع الكريم نأتي على نهاية هذا اللقاء ولنا ان شاء الله لقاء اخر يعقبه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
