يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نكمل حديث المؤلف في تفسير قصة يونس عليه السلام
اذ قال رحمه الله وقوله فنبذناه اي طرحناه بان امرنا الحوت ان يلقيه بالساحل والعراء الصحراء وقول من قال العراء الفضاء او المتسع من الارض او المكان الخالي او وجه الارض
راجع الى ذلك ومنه قول الشاعر وهو رجل من خزاعة ورفعت رجلا لا اخاف عثارها ونبذت بالبلد العراء ثيابي وشجرة اليقطين هي الدبان قوله وهو سقيم اي مريض لما اصابه من التقام الحوت اياه
وقال تعالى في القلم ولا تكن كصاحب الحوت اذ نادى وهو مكظوم لولا ان تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين وقوله في اية القلم هذه اذ نادى
اي نادى ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين وقوله وهو مكظوم اي مملوء غما كما قال تعالى ونجيناه من الغم وهو قول ابن عباس ومجاهد عن عطاء وابي مالك مكظوم مملوء كربا
على المعوردي والفرق بين الغم والكرب ان الغم في القلب والكرب في الانفاس وقيل مكظوم محبوس والكظم الحبس ومنه قولهم كظم غيظه اي حبس غظبه قاله ابن بحر وقيل المكظوم المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس
قاله المبرد انتهى من القرطبي واية القلم المذكورة تدل على ان نبي الله يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجل بالذهاب ومغاضبة قومه ولم يصبر الصبر اللازم بدليل قوله مخاطبا نبينا صلى الله عليه وسلم فيها
فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت. الاية فان امره لنبينا صلى الله عليه وسلم بالصبر ونهيه اياه ان يكون كصاحب الحوت دليل على ان صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي
وقصة يونس وسبب ذهابه ومغاضبته قومه مشهورة مذكورة في كتب التفسير وقد بين تعالى في سورة يونس ان قوم يونس امنوا فنفعهم ايمانهم دون غيرهم من سائر القرى التي بعثت اليهم الرسل
وذلك في قوله فلولا كانت قرية امنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس لما امنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة وكذلك ننجي المؤمنين
يدل على انه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم ويبتهل الى الله داعيا باخلاص الا نجاه الله من ذلك الغم ولا سيما اذا دعا بدعاء يونس هذا وقد جاء في حديث مرفوع عن سعد ابن ابي وقاص رضي الله عنه
ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في دعاء يونس المذكور لم يدعو به مسلم ربه في شيء قط الا استجاب له ورواه احمد والترمذي وابن ابي حاتم وابن جرير
وغيرهم والاية الكريمة شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية كما ترى لانه لما ذكر انه انجى يونس شبه بذلك ان جاءه المؤمنين وقوله ننجي المؤمنين صيغة عامة في كل مؤمن كما ترى
وقرأ عامة القراء السبعة خير ابن عامر وشعبة عن عاصم وكذلك ننجي المؤمنين بنونين اولاهما مضمومة والثانية ساكنة بعدها جيم مكسورة مخففة وياء ساكنة وهو مضارع انجى الرباعي على صيغة افعال
والنون الاولى دالة على العظمة وقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم وكذلك نجي المؤمنين بنون واحدة مضمومة بعدها جيم مكسورة مشددة. فياء ساكنة وهو على هذه القراءة بصيغة  ماض مبني للمفعول
من نجا المضاعفة على وزن فعل بالتضعيف وفي كلتا القراءتين اشكال معروف اما قراءة الجمهور فهي من جهة القواعد العربية واضحة لا اشكال فيها ولكن فيها اشكال من جهة اخرى
وهي ان هذا الحرف انما كتبه الصحابة في المصاحف العثمانية بنون واحدة فيقال كيف تقرأ بنونين وهي في المصاحف بنون واحدة واما على قراءة ابن عامر وشعبة فالاشكال من جهة القواعد العربية
لان نجي على قراءتهما بصيغة ماض مبني للمفعول القياس رفع المؤمنين بعده على انه نائب الفاعل وكذلك القياس فتح ياء لجي لا اسكانها واجاب العلماء عن هذا بأجوبة منها ما ذكره بعض الائمة
واشار اليه ابن هشام في باب الادغام من توضيحه ان الاصل في قراءة ابن عامر وشعبة ننجي بفتح النون الثانية مضارع نجا مضعفا وحذفت النون الثانية تخفيفا عون ننجي بسكونها مضارع انجى
وادغمت النون في الجيم لاشتراكهما في الجهر والانفتاح والتوسط بين القوة والضعف كما ادغمت في واد جانا بتشديد الجيم فيهما والاصل انجاصة. وان جانة فاضغمت النون فيهما الاجاصة واحدة الاجاص
قال في الكسر الاتجاص بالكسر مشددا ثمر معروف دخيل لان الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة الواحدة بها ولا تقولوا انجاص او لغية انتهى والادانة واحدة الاجاجيل قال في التصريح وهي بفتح الهمزة وكسرها
قال صاحب الفصيح يعجن فيها ويغسل فيها ويقال ان جانة كما يقال انجاصة. وهي لغة يمانية فيهما انكرها الاكثرون. انتهى وهذان وجهان في توجيه قراءة ابن عامر وشعبة وعليهما فلفظة المؤمنين مفعول به لننجي
ومن اجوبة العلماء عن قراءة ابن عامر وشعبة ان نجي على قراءتهما علوم ماض مبني للمفعول والنائب عن الفاعل ضمير المصدر هو اي الانجاء وعلى هذا الوجه فالاية كقراءة من قرأ
ليجزى قوما الاية ببناء يجزى للمفعول والنائب ضمير المصدر. اي ليجزى هو اي الجزاء ونيابة المصدر عن الفاعل في حال كون الفعل متعديا للمفعول ترد بقلة كما اشار له في الخلاصة
بقوله وقابل من ظرف نوم مصدري او حرف جر بنيابة حري ولا ينوب بعض هذا ان وجد في اللفظ مفعول به. وقد يرد ومحل الشاهد منه قوله وقد يرد وممن قال بجواز ذلك الاخفش والكوفيون وابو عبيد
ومن امثلة ذلك في كلام العرب قول جرير يهجو ام الفرزدق ولو ولدت قذيرة جر وكلب لسب بذلك الجرو الكلاب يعني لسب هو اي سب وقول الراجس لم يعنى بالعلياء الا سيدا
ولا شفاذا الغي الا ذو هدى واما اسكان ياء نجي على هذا القول فهو على لغة من يقول من العرب رضي وبقي باسكان الياء تخفيفا ومنه قراءة الحسن وذروا ما بقي من الربا باسكان ياء بقي
ومن شواهد تلك اللغة قول الشاعر خمر الشيب لمتي تخميرا وحدابي الى القبور البعيرة ليت شعري اذا القيامة قامت ودعي بالحساب اين المصير واما الجواب عن قراءة الجمهور الظاهر فيه ان الصحابة حذفوا النون في المصاحف
لتمكن موافقة قراءة ابن عامر وشعبة للمصاحف بخفائها اما قراءة الجمهور فوجهها ظاهر ولا اشكال فيها غاية الامر انهم حذفوا حرفا من الكلمة لمصلحة مع تواتر الرواية لفظا بذكر الحرف المحذوف
والعلم عند الله تعالى بهذا ايها المستمعون الكرام نأتي على نهاية هذا اللقاء املين ان يجمعنا بكم لقاءات اخرى وانتم بخير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
