يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله
بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق قال بعض اهل العلم الاية الاولى التي هي ومن الناس من يجادل في الله بغير علم
ويتبع كل شيطان مريد نازلة في الاتباع الجهلة الذين يجادلون بغير علم اتباعا لرؤسائهم من شياطين الانس والجن وهذه الاية الاخيرة الرؤساء الدعاة الى الضلال المتبوعين في ذلك ويدل لهذا انه قال في الاولى
ويتبع كل شيطان وقال في هذه ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله فتبين بذلك انه مضل لغيره متبوع في الكفر والضلال على قراءة الجمهور بضم ياء يضل واما على قراءة ابن كثير وابي عمرو
بفتح الياء فليس في الاية دليل على ذلك وقد قدمنا معنى جدال الكفرة في الله بغير علم فاغنى عن اعادته هنا وقال بعض اهل العلم في قوله في هذه الاية الكريمة
بغير علم اي بدون علم ضروري حاصل لهم بما يجادلون به ولا هدى اي استدلال ونظر عقلي يهتدي به العقل للصواب ولا كتاب منير اي وحي نير واضح يعلم به ما يجادل به
فليس عنده علم ضروري ولا علم مكتسب بالنظر الصحيح العقلي ولا علم من وحي فهو جاهل محض من جميع الجهات وقوله ثاني عطفه حال من ضمير الفاعل المستكن في يجادل
اي يخاصم بالباطل في حال كونه ثاني عطفه اي لاوي عنقه عن قبول الحق استكبارا واعراضا فقوله ثاني اسم فاعل ثنا الشيء اذا لواه واصل العطف الجالب وعطف الرجل جانبا
من لدن رأسه الى وريكيه يقول العرب بنى فلان عنك عطفة يعني اعرض عنك وانما عبر العلماء هنا بالعنق وقالوا ثاني عطفه لاوي عنقه مع ان العطف يشمل العنق وغيرها
لان اول ما يظهر فيه الصدود عنق الانسان يلويها ويصرف وجهه عن الشيء يليها والمفسرون يقولون ان اللام في قوله ليضل عن سبيل الله ونحوها من الايات مما لم تظهر فيه العلة الغائية
كقوله فالتقطه ال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا الاية ونحو ذلك يقولون هي لام العاقبة والبلاغيون يزعمون ان في ذلك استعارة تبعية في معنى الحرف قال المؤلف رحمه الله وقد وعدنا بايضاح ذلك
في سورة القصص ان شاء الله تعالى ونقول هنا ان الظاهر في ذلك ان الصواب فيه غير ما ذكروا وان اللام في الجميع لام التعليل والمعنى واضح لا اشكال فيه
كما نبه عليه الحافظ ابن كثير رحمه الله في مواضع من تفسيره وايضاح ذلك ان الله هو الذي قدر على الكافر في ازله ان يجادل في الله بغير علم في حال كونه لاوي عنقه
اعراضا عن الحق واستكبارا وقد قدر عليه ذلك ليجعله ضالا مضلا وله الحكمة البالغة في ذلك كقوله انا جعلنا على قلوبهم اكنة اي يفقهوه اي لئلا يفقهوه وكذلك فالتقطه ال فرعون الاية
اي قدر الله عليهم ان يلتقطوه لاجل ان يجعله لهم عدوا وحزنا وهذا واضح لا اشكال فيه كما ترى وما ذكره جل وعلا في هذه الاية للاعراض بعض الكفار عن الحق
واستكبارهم اوضحه في ايات اخر من كتاب الله كقوله تعالى واذا تتلى عليه اياتنا ولى مستكبرا كان لم يسمعها وقوله تعالى واذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله رؤوسهم
ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون وقوله تعالى واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل الله والى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا وقوله تعالى اللقمان في وصيته لابنه ولا تصعر خدك للناس
لا تمل وجهك عنهم استكبارا عليهم وقوله تعالى عن فرعون وفي موسى اذ ارسلناه الى فرعون بسلطان مبين فتولى بركنه فقوله فتولى بركنه بمعنى ثنى عطفة وقوله تعالى واذا انعمنا على الانسان اعرض ونأى بجانبه
الاية الى غير ذلك من الايات وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة له في الدنيا خزي اي ذل واهانة وقد اذل الله الذين جادلوا في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير
كابي جهل بن هشام والنضر ابن الحارث بالقتل يوم بدر ويفهم من هذه الاية الكريمة ان من ثنى عطفه استكبارا عن الحق واعراضا عنه عامله الله بنقيض قصده فاذله واهانه
وذلك الذل والاهانة نقيض ما كان يؤمله من الكبر والعظمة وهذا المفهوم من هذه الاية دلت عليه ايات اخر كقوله تعالى ان في صدورهم الا كبر ما هم ببالغين وقوله في ابليس لما استكبر
فاهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها. فاخرج انك من الصاغرين والصغار الذل والهوان. عياذا بالله من ذلك كما قدمنا ايضاحة وقوله ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق اي نحرقه بالنار
ونذيقه الم حرها يوم القيامة وسمي يوم القيامة لان الناس يقومون فيه له جل وعلا كما قال تعالى الا يظن اولئك انهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين
ايها المستمع الكريم حسبنا في هذا اللقاء ما سلف ولنا ان شاء الله لقاء اخر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
