يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نكمل تفسير قول الله تعالى
واذن في الناس بالحج قال المؤلف رحمه الله وقوله تعالى يأتوك رجالا مجزوم في جواب الطلب وهو عند العلماء مجزوم بشرط مقدر دل عليه الطلب على الاصح اي ان تؤذن في الناس بالحج يأتوك
وانما قال يأتوك لان المدعو يتوجه نحو الداعي وان كان اتيانهم في الحقيقة للحج لان نداء ابراهيم للحج ان يأتوك ملبين دعوتك حاجين بيت الله الحرام كما ناديتهم لذلك وعلى قول الحسن الذي ذكر عنه
ان الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ففي هذه الاية دليل على وجوب الحج وعلى قول الجمهور فوجوب الحج بها على هذه الامة مبني على ان شرع من قبلنا شرع لنا
كما اوضحناه في سورة المائدة مع انه دلت ايات اخر على ان الاجابة المذكورة على لسان ابراهيم وقع مثله ايضا على لسان نبينا محمد صلى الله عليهما وسلم كقوله تعالى
ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين وقوله تعالى واتموا الحج والعمرة لله وقوله تعالى ان الصفا والمروة من شعائر الله
فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الاية وقوله يأتوك رجالا وعلى كل ضامر الاية
قد يستدل بهذه الاية من ذهب من العلماء الى ان الحج ماشيا لمن قدر عليه افضل من الحج راكبا لانه قدمهم في الذكر فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وقال وكيع عن ابي العميس عن ابي حلحلة عن محمد بن كعب
عن ابن عباس طالما اسى على شيء الا اني وددت اني كنت حججت ماشيا لان الله يقول يأتوك رجالا والذي عليه الاكثرون ان الحج راكبا افضل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم
فانه حج راكبا مع كمال قوته صلى الله عليه وسلم انتهى منه قال مقيده عفا الله عنه وغفر له اعلم انه قد تقرر في الاصول ان منشأ الخلاف في هذه المسألة
التي هي هل الركوب في الحج افضل؟ او المشي ونظائرها كون افعال النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر الى الجبلة والتشريع ثلاثة اقسام القسم الاول هو الفعل الجبلي المحض اعني الفعل الذي تقتضيه الجبلة البشرية بطبيعتها
كالقيام والقعود والاكل والشرب فان هذا لم يفعل للتشريع والتأسي فلا يقول احد انا اجلس واقوم تقربا لله واقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم لانه كان يقوم ويجلس لانه لم يفعل ذلك
للتشريع والتأسي وبعضهم يقول فعله الجبلي يقتضي الجواز وبعضهم يقول يقتضي الندب والظاهر ما ذكرنا من انه لم يفعل للتشريع ولكنه يدل على الجواز القسم الثاني هو الفعل التشريعي المحض
وهو الذي فعل لاجل التأسي والتشريع كافعال الصلاة وافعال الحج مع قوله صلوا كما رأيتموني اصلي وقوله خذوا عني مناسككم القسم الثالث وهو المقصود هنا هو الفعل المحتمل للجبلي والتشريعي
وضابطه ان تكون الجبلة البشرية تقتضيه بطبيعتها ولكنه وقع متعلقا بعبادة بان وقع فيها او في وسيلتها كالركوب في الحج فان ركوبه صلى الله عليه وسلم في حجة محتمل للجبلة
لان الجبلة البشرية تقتضي الركوب كما كان يركب صلى الله عليه وسلم في اسفاره غير متعبد بذلك الركوب بل لاقتضاء الجبلة اياه ومحتمل للشرعي لانه صلى الله عليه وسلم فعله في حال تلبسه بالحج
وقال خذوا عني مناسككم ومن فروع هذه المسألة جلسة الاستراحة في الصلاة والرجوع من صلاة العيد من طريق اخرى غير التي ذهب فيها الى صلاة العيد والضجعة على الشق الايمن بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح
ودخول مكة من كداء بالفتح والمد والخروج من كدى بالضم والكسر والنزول بالمحصب بعد النفر من منى ونحو ذلك ففي كل هذه المسائل خلاف بين اهل العلم لاحتمالها للجبلي والتشريعي
والى هذه المسألة اشار في مراقي السعود بقوله وفعله المركوز في الجبلة كالاكل والشرب فليس ملة من غير لمح الوصف والذي احتمل شرعا ففيه قل تردد حصل الحج راكبا عليه يجري
كضجعة بعد صلاة الفجر ومشهور مذهب مالك ان الركوب في الحج افضل الا في الطواف والسعي فالمشي فيهما واجب وقال سند ولخمي من المالكية ان المشي افضل للمشقة وركوبه صلى الله عليه وسلم جبلي لا تشريعي
قال المؤلف رحمه الله وما ذكرنا عن مالك من ان الركوب في الحج افضل من المشي هو قول اكثر اهل العلم وبه قال ابو حنيفة والشافعي وغيرهما قال النووي في شرح المهذب
قد ذكرنا ان الصحيح في مذهبنا ان الركوب افضل قال العبدري وبه قال اكثر الفقهاء وقال داود ماشيا افضل واحتج بحديث عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة
ولكنها على قدر نفقتك او نصبك رواه البخاري ومسلم وفي رواية صحيحة على قدر عنائك ونصبك وروى البيهقي باسناده عن ابن عباس قال ما اسى على شيء ما اسى اني لم احج ماشيا
وعن عبيد بن عمير قال ابن عباس ما ندمت على شيء فاتني في شبابي الا اني لم احج ماشيا ولقد حج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا وان النجائب لتقاد معه
ولقد قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات حتى كان يعطي الخف ويمسك النعل انتهى محل الغرض منه والحديث المرفوع عن ابن عباس في فضل الحج ماشيا ضعيف وحديث عائشة المتفق عليه
الذي اشار اليه النووي يقوي حجة من قال بان المشي في الحج افضل من الركوب لانه اكثر نصبا وعناء ولفظ البخاري ولكنها على قدر نفقتك او نصبك ولفظ مسلم ولكنها على قدر نصبك
او قال نفقتك والنصب التعب والمشقة بهذا ايها المستمع الكريم نأتي على نهاية لقائنا املين ان نلتقي بكم مرة اخرى وانتم بخير السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
