يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من احد ابدا
ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم بين جل وعلا في هذه الاية انه لولا فضله ورحمته ما زكى احد من خلقه ولكنه بفضله ورحمته يزكي من يشاء تزكيته من خلقه
ويفهم من الاية انه لا يمكن احدا ان يزكي نفسه بحال من الاحوال وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الاية الكريمة جاء مبينا في غير هذا الموضع كقوله تعالى الم تر الى الذين يزكون انفسهم
بل الله يزكي من يشاء الآية وقوله تعالى هو اعلم بكم اذ انشأكم من الارض واذ انتم اجنة في بطون امهاتكم فلا تزكوا انفسكم هو اعلم بمن اتقى والزكاة في هذه الاية
هي الطهارة من انجاس الشرك والمعاصي وقوله ولكن الله يزكي من يشاء ان يطهره من ادناس الكفر والمعاصي بتوفيقه وهدايته الى الايمان والتوبة النصوح والاعمال الصالحة وهذا الذي دلت عليه هذه الايات المذكورة
لا يعارضه قوله تعالى قد افلح من زكاها ولا قوله قد افلح من تزكى على القول بان معنى تزكى تطهر من ادناس الكفر والمعاصي لا على ان المراد بها خصوص زكاة الفطر
ووجه ذلك في قوله من زكاها انه لا يزكيها الا بتوفيق الله وهدايته اياه للعمل الصالح وقبوله منه وكذلك الامر في قوله قد افلح من تزكى كما لا يخفى والاظهر ان قوله ما زكى منكم من احد
الاية الجواب لولا التي تليه خلافا لمن زعم انه جواب لولا في قوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله رؤوف رحيم وقد تكرر في الايات التي قبل هذه الاية
حذف جواب لولا لدلالة القرائن عليه قوله تعالى ولا يأتل اولو الفضل منكم والسعة ان يؤتوا اولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا الا تحبون ان يغفر الله لكم والله غفور رحيم
نزلت هذه الاية الكريمة في ابي بكر رضي الله عنه ومسطح ابن اثاثة ابن عباد ابن المطلب رضي الله عنه وكان مسطح المذكور من المهاجرين وهو فقير وكانت امه ابنة خالة ابي بكر رضي الله عنه
وكان ابو بكر ينفق عليه لفقره وقرابته وهجرته وكان ممن تكلم في ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالافك المذكور في قوله تعالى ان الذين جاءوا بالافك عصبة منكم الاية
وهو ما رموها به من انها فجرت مع صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه وقصة الافك معروفة مشهورة ثابتة في عشر ايات من هذه السورة الكريمة وفي الاحاديث الصحاح
فلما نزلت براءة عائشة رضي الله عنها الايات المذكورة حلف ابو بكر الا ينفق على مسطح ولا ينفعه بنافعة بعدما رمى عائشة بالافك ظلما وافتراء فانزل الله في ذلك ولا يأتي لاولو الفضل منكم والسعة
ان يؤتوا اولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله الاية وقوله ولا يأتل اولي الفضل منكم والسعة اي لا يحلف وقوله يأتلي وزنه يفتعل من الالية وهي اليمين يقول العرب الا يؤلي
وقتلى يأتلي اذا حلف ومنه قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم اي يحلفون مضارع الا يؤلي اذا حلف ومنه قول امرئ القيس ويوما على ظهر الكثيب تعذرت علي والت حلفة لم تحل لي
اي حلفت حلفا وقول عاتكة بنت زيد العدوية ترثي زوجها عبدالله ابن ابي بكر رضي الله عنهم فآليت لا تنفك عيني حزينة عليك ولا ينفك جلدي اغبرا والالية اليمين ومنه قول الاخر
يمدح عمر ابن عبد العزيز رحمه الله قليل الا يا حافظ ليمينه وان سبقت منه الالية برتي اي لا يحلف اصحاب الفضل والسعة اي الغنى كابي بكر رضي الله عنه
ان يؤتوا اولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله كمسطح بن اثاثة وقوله ان يؤتوا اي لا يحلفوا عن ان يؤتوا او لا يحلف الا يؤتوا وحذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك من ان وان
وسيلتهما مضطرد وكذلك حذف لا النافية قبل المضارع بعد القسم ولا يؤثر في ذلك هنا كون القسم منهيا عنه ومفعول يؤتوا الثاني محذوف اي ان يؤتوا اولي القربى النفقة والاحسان
كما فعل ابو بكر رضي الله عنه وقال بعض اهل العلم قوله ولا يأتلي اي لا يقصر اصحاب الفضل والسعة كابي بكر في ايتاء اولي القربى كمصبح وعلى هذا فقوله يأتلي
يفتعل من الا يألو في الامر؟ اذا قصر فيه وابطأ ومنه قوله تعالى يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا اي لا يقصرون في مضرتكم
ومنه بهذا المعنى قول الجعدي واشمط عريان يشد كتافه يلام على جهد القتال ومأتلى وقول الاخر وان كنائني لنساء صدق فما اعلى بني ولا اساءوا وقوله فما ال بني يعني ما قصروا ولا ابطأوا
والاول هو الاصح لان حلف ابي بكر الا ينفع مسطحا بنافعة ونزول الاية الكريمة في ذلك الحلف معروف وهذا الذي تضمنته هذه الاية الكريمة من النهي عن الحلف عن فعل البر
من ايتا اولي القربى والمساكين والمهاجرين جاء ايضا في غير هذا الموضع كقوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم ان تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس اي لا تحلف بالله عن فعل الخير
واذا قيل لكم اتقوا وبروا واصلحوا بين الناس قلتم حلفنا بالله لا نفعل ذلك وتجعلون الحلف بالله سببا للامتناع من فعل الخير على الاصح في تفسير الاية وقد قدمنا دلالة هاتين الايتين
على المعنى المذكور وذكرنا ما يوضحه من الاحاديث الصحيحة في سورة المائدة الكلام على قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان ايها المستمع الكريم
نكتفي بما مضى في هذا اللقاء على ان سنكمل بقية تفسير الاية في لقائنا القادم ان شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
