يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله
يقول وانتم اضللتم عبادي هؤلاء ام هم ضلوا السبيل؟ قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا ان نتخذ من دونك من اولياء ولكن متعتهم واباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا
قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير وحفص عن عاصم نحشرهم بالنون الدالة على العظمة وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم يحشرهم بالياء. المثناة التحتية وقرأ عامة السبعة غير ابن عامر
فيقول بالياء المثناة التحتية وقرأ ابن عامر فنقول بنون العظمة فتحصل ان ابن كثير وحفصة يقرأان بالياء التحتية فيهما وان ابن عامر يقرأ بالنون فيهما وان باقي السبعة يقرأون نحشرهم بالنون
ويقرأون فيقول بالياء وقد ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة انه يحشر الكفار يوم القيامة وما كانوا يعبدون من دونه اي يجمعهم جميعا يقول للمعبودين اانتم اضللتم عبادي هؤلاء
فزينتم لهم ان يعبدوكم من دوني ام هم ضلوا السبيل اي كفروا واشركوا بعبادتهم اياكم من دون من تلقاء انفسهم من غير ان تأمروهم بذلك ولا ان تزينوه لهم وان المعبودين يقولون سبحانك اي تنزيها لك عن الشركاء
وكل ما لا يليق بجلالك وعظمتك ما كان ينبغي لنا ان نتخذ من دونك من اولياء اي ليس للخلائق كلهم ان يعبدوا احدا سواك. لا نحن ولا هم فنحن ما دعوناهم الى ذلك
بل فعلوا ذلك من تلقاء انفسهم من غير امرنا ونحن برءاء منهم ومن عبادتهم ثم قال ولكن متعتهم واباءهم اي طال عليهم العمر حتى نسوا الذكر اي نسوا ما انزلته عليهم على السنة رسلك؟
من الدعوة الى عبادتك وحدك لا شريك لك وكانوا قوما بورا قال ابن عباس اي هل وقال الحسن البصري ومالك عن الزهري اي لا خير فيهم انتهى الغرض من كلام ابن كثير
وقال ابو حيان في البحر ما كان ينبغي لنا ان نتخذ من دونك من اولياء اي ما كان يصح لنا ولا يستقيم الى اخر كلامه واذا عرفت ما ذكره جل وعلا
في هذه الاية من سؤاله للمعبودين وجوابهم له اعلم ان العلماء اختلفوا في المعبودين. فقال بعضهم المراد بهم الملائكة وعيسى وعزيل قالوا هذا القول يشهد له القرآن لان فيه سؤال عيسى والملائكة
عن عبادة من عبدهم كما قال تعالى في الملائكة ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة اهؤلاء اياكم كانوا يعبدون؟ قالوا سبحانك انت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن اكثرهم بهم مؤمنون
وقال في عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام واذ قال الله يا عيسى ابن مريم انت قلت للناس اتخذوني وامي الهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق
ان كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك انك انت علام الغيوب وجواب الملائكة وجواب عيسى كلاهما شبيه بجواب المعبودين في اية الفرقان هذه
ولذلك اختار غير واحد من العلماء ان المعبودين الذين يسألهم الله في سورة الفرقان هذه هم خصوص العقلاء دون الاصنام قال مقيده عفا الله عنه وغفر له الاظهر عندي شمول المعبودين
المذكورين للاصنام مع الملائكة وعيسى وعزير لان ذلك تدل عليه قرينتان قرآنيتان الاولى انه عبر عن المعبودين المذكورين بما التي هي لغير العاقل في قوله ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله. الاية
ولفظة ما تدل على شمول غير العقلاء وانه غلب غير العاقل لكثرته القرينة الثانية هي دلالة ايات من كتاب الله على ان المعبودين غافلون عن عبادة من عبدهم اي لا يعلمون بها لكونهم غير عقلاء
كقوله تعالى في سورة يونس وقال شركاؤهم ما كنتم ايانا تعبدون. فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم ان كنا عن عبادتكم لغافلين وانما كانوا غافلين عنها لانهم جماد لا يعقلون واطلاق اللفظ المختص بالعقلاء عليهم
نظرا الى ان المشركين نزلوهم منزلة العقلاء كما اوضحناه في غير هذا الموضع وكقوله تعالى في الاحقاف ومن اضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له الى يوم القيامة
وهم عن دعائهم غافلون واذا حشر الناس كانوا لهم اعداء وكانوا بعبادتهم كافرين وقد دل قوله تعالى وهم عن دعائهم غافلون على انهم لا يعقلون ومع ذلك قال واذا حشر الناس كانوا لهم اعداء
كانوا بعبادتهم كافرين كقوله تعالى في العنكبوت وقال انما اتخذتم من دون الله اوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا الاية وصرح بانهم اوثان
ثم ذكر انهم هم وعبدتهم يلعن بعضهم بعضا وكقوله تعالى كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا الى غير ذلك من الايات وقوله في هذه الاية الكريمة حتى نسوا الذكر الظاهر ان معنى نسوا تركوا
والاظهر ان الذكر هو ما جاءت به الرسل من التوحيد وقيل ذكر الله بشكر نعمه والاصح ان قوله بورا معناه هلكى واصله اسم مصدر يقع على الواحد وعلى الجماعة من اطلاقه على الجماعة قوله هنا
وكانوا قوما بورا وقوله في سورة الفتح وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ومن اطلاقه على المفرد قول عبد الله ابن الزبارة السهمي رضي الله عنه يا رسول المليك ان لساني راطق ما فتقت اذ انا بور
ويطلق البور على الهلاك وعن ابن عباس انها لغة اهل عمان وهم من اهل اليمن ومنه قول الشاعر فلا تكفروا ما قد صنعنا اليكم وكافوا به فالكفر بور لصانعه واعلم ان ما ذكره الزمخشري
في هذه الاية واطنب فيه من ان الله لا يضل احدا مذهب المعتزلة وهو مذهب باطل وبطلانه في غاية الوضوح من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فاياك وان تغتر به
ما ذكر عن الحسن البصري ومالك عن الزهري من ان معنى بورا لا خير فيهم له وجه في اللغة العربية ولكن التحقيق انه ليس معنى الاية وان معنى بورا هلك
كما تقدم والعلم عند الله تعالى ايها المستمع الكريم بهذا ينتهي لقاؤنا املا ان يتجدد اللقاء بيننا وبينكم مرات اخرى السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
