يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نكمل تفسير قوله تعالى والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا
الاية قال المؤلف رحمه الله وقوله تعالى وكان بين ذلك قواما اي بين ذلك المذكور من الاسراف والقتل قواما اي عدلا وسطا. سالما من عيب الاسراف والقطر قال رحمه الله واظهر اوجه الاعراب عندي في الاية
هو ما ذكره القرطبي قال وقواما خبر كان واسمها مقدر فيها اي كان الانفاق بين الاسراف والقتل قواما ثم قال قاله الفراء وباقي اوجه الاعراب في الاية ليس بوجيه عندي
كقول من قال ان لفظة بين هي اسم كان وانها لم ترفع لبنائها بسبب اضافتها الى مبني وقول من قال ان بين هي خبر كان وقوام حال مؤكدة له ومن قال انهما خبران
كل ذلك ليس بوجيه عندي والاظهر الاول والظاهر ان التوسط في الانفاق الذي مدحهم به شامل لانفاقهم على اهليهم وانفاقهم المال في اوجه الخير وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الاية الكريمة
جاء موضحا في غير هذا الموضع فمن ذلك ان الله اوصى نبيه صلى الله عليه وسلم بالعمل بمقتضاه في قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط
الاية فقوله ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك اي ممسكة عن الانفاق دي من ساعة كليا يؤدي معنى قوله هنا ولم يقتروا وقوله ولا تبسطها كل البسط يؤدي معنى قوله هنا لم يسرفوا
واشار تعالى الى هذا المعنى في قوله واتي ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا وقوله تعالى ويسألونك ماذا ينفقون. قل العفو الاية على اصح التفسيرين وقد اوضحنا الايات الدالة على هذا المعنى
في اول سورة البقرة الكلام على قوله تعالى ومما رزقناهم ينفقون قال رحمه الله مسألة هذه الاية الكريمة التي هي قوله تعالى والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا الاية
والايات التي ذكرنا معها قد بينت احد ركني ما يسمى الان بالاقتصاد وايضاح ذلك انه لا خلاف بين العقلاء ان جميع مسائل الاقتصاد على كثرتها واختلاف انواعها راجعة بالتقسيم الاول الى اصلين لا ثالث لهما
الاول منهما اكتساب المال والثاني منهما صرفه في مصارفه وبه تعلم ان الاقتصاد عمل مزدوج ولا فائدة في واحد من الاصلين المذكورين الا بوجود الاخر فلو كان الانسان احسن الناس نظرا في اوجه اكتساب المال
الا انه اخرق جاهل باوجه صرفه فان جميع ما حصل من المال يضيع عليه بدون فائدة وكذلك اذا كان الانسان احسن الناس نظرا في صرف المال في مصارفه المنتجة الا انه اخرق جاهل باوجه اكتسابه
فانه لا ينفعه حسن نظره في الصرف مع انه لم يقدر على تحصيل شيء يصرفه والايات المذكورة ارشدت الناس ونبهتهم على الاقتصاد في الصرف واذا علمت ان مسائل الاقتصاد كلها راجعة الى الاصلين المذكورين
وان الايات المذكورة دلت على احدهما فاعلم ان الاخر منهما وهو اكتساب المال قد ارشدت اليه ايات اخر دلت على فتح الله الابواب الى اكتساب المال بالاوجه اللائقة التجارات وغيرها
لقوله تعالى ليس عليكم جناح ان تبتغوا فضلا من ربكم وقوله تعالى فاذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله وقوله تعالى علم ان سيكون منكم مرضى واخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله
والمراد بفضل الله في الايات المذكورة ربح التجارة وكقوله تعالى الا ان تكون تجارة عن تراض منكم قال المؤلف رحمه الله وقد قدمنا في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى فابعثوا احدكم بورقكم هذه الى المدينة الاية
انواع الشركات واسماءها وبينا ما يجوز منها وما لا يجوز عند الائمة الاربعة واوضحنا ما اتفقوا على منعه وما اتفقوا على جوازه وما اختلفوا فيه وبه تعلم كثرة الطرق التي فتحها الله لاكتساب المال بالاوجه الشرعية اللائقة
واذا علمت مما ذكرنا ان جميع مسائل الاقتصاد راجعة الى اصلين وما اكتساب المال وصرفه في مصارفه فاعلم ان كل واحد من هذين الاصلين لابد له من امرين ضروريين له
الاول منهما معرفة حكم الله فيه لان الله جل وعلا لم يبح اكتساب المال بجميع الطرق التي يكتسب بها المال بل اباح بعض الطرق وحرم بعضها كما قال تعالى واحل الله البيع وحرم الربا
ولم يبح الله جل وعلا صرف المال في كل شيء بل اباح بعض الصرف وحرم بعضه كما قال تعالى مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل
في كل سنبلة مائة حبة. الاية وقال تعالى في الصرف الحرام ان الذين كفروا ينفقون اموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة الاية فمعرفة حكم الله في اكتساب المال وفي صرفه في مصارفه امر ضروري لابد منه
لان من لم يعلم ذلك قد يكتسب المال من وجه حرام والمال المكتسب من وجه حرام لا خير فيه البتة وقد يصرف المال في وجه حرام وصرفوا بذلك حسرة على صاحبه
الامر الثاني ومعرفة الطريق الكفيلة باكتساب المال فقد يعلم الانسان مثلا ان التجارة في النوع الفلاني مباحة شرعا ولكنه لا يعلم اوجه التصرف بالمصلحة الكفيلة بتحصيل المال من ذلك الوجه الشرعي
وكم من متصرف يريد الربح ويعود عليه تصرفه بالخسران لعدم معرفته بالاوجه التي يحصل بها الربح وكذلك قد يعلم الانسان ان الصرف في الشيء الفلاني مباح وفيه مصلحة ولكنه لا يهتدي الى معرفة الصرف المذكور
كما هو مشاهد في المشاريع الكثيرة النفع ان صرف فيها المال بالحكمة والمصلحة فان جواز الصرف فيها معلوم وايقاع الصرف على وجه المصلحة لا يعلمه كل الناس وبهذا تعلم ان اصول الاقتصاد الكبار اربعة
الاول معرفة حكم الله في الوجه الذي يكتسب به المال واجتناب الاكتساب به ان كان محرما شرعا الثاني حسن النظر في اكتساب المال بعد معرفة ما يبيحه خالق السماوات والارض وما لا يبيحه
الثالث معرفة حكم الله في الاوجه التي يصرف فيها المال واجتناب المحرم منها الرابع حسن النظر في اوجه الصرف واجتناب ما لا يفيد منها فكل من بنى اقتصاده على هذه الاسس الاربعة
كان اقتصاده كفيلا بمصلحته وكان مرضيا لله جل وعلا ومن اخل بواحد من هذه الاسس الاربعة كان بخلاف ذلك لان من جمع المال بالطرق التي لا يبيحها الله جل وعلا
فلا خير في ماله ولا بركة كما قال تعالى يمحق الله الربا ويربي الصدقات وقال تعالى قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو اعجبك كثرة الخبيث ايها المستمع الكريم بهذا البيان من المؤلف رحمه الله
نأتي على نهاية لقائنا اسأل الله ان يجمعنا بكم لقاء اخر قريب وانتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
