يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نأتي على نهاية تفسير سورة الفرقان
بحمد الله تعالى قال المؤلف رحمه الله قوله تعالى قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يقولون ما عبأت بفلان
اي ما باليت به ولا اكترثت به اي ما كان له عندي وزن ولا قدر يستوجب الاكتراث والمبالاة به واصله من العبء وهو الثقل ومنه قول ابي زيد يصف اسد
كأن بنحره وبمنكبيه عبيرا بات يعبأه عروس وقوله يعبأه من يجعل بعضه فوق بعض لمبالاته به واكتراثه به واذا علمت ذلك فاعلم ان كلام اهل التفسير في هذه الاية الكريمة
يدور على اربعة اقوال واعلم اولا ان العلماء اختلفوا في المصدر في قوله لولا دعاؤكم هل هو مضاف الى فاعله؟ او الى مفعوله وعلى انه مضاف الى فاعله فالمخاطبون بالاية داعون. لا مدعوون
اي ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم اي عبادتكم له واما على ان المصدر مضاف الى مفعوله والمخاطبون بالاية مدعوون. لا داعون ما يعبأ بكم لولا دعاؤه اياكم الى توحيده وعبادته
على السنة رسله عليهم الصلاة والسلام واعلم ايضا ان ثلاثة من الاقوال الاربعة المذكورة في الاية مبنية على كون المصدر فيها مضافا الى فاعله والرابع مبني على كونه مضافا الى مفعوله
اما الاقوال الثلاثة المبنية على كونه مضافا الى فاعله فالاول منها ان المعنى ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم. اي عبادتكم له وحده جل وعلا وعلى هذا القول فالخطاب عام للكافرين والمؤمنين
ثم افرد الكافرين دون المؤمنين بقوله فقد كذبتم الاية والثاني منها ان المعنى لولا دعاؤكم ايها الكفار له وحده عند الشدائد والكروب اي ولو كنتم ترجعون الى شرككم اذا كشف الضر عنكم
والثالث ان المعنى ما يعبأ بكم ربي اي ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه الهة اخرى ولا يخفى بعد هذا القول وان فيه تقدير ما لا دليل عليه ولا حاجة اليه
اما القول الرابع المبني على ان المصدر في الاية مضاف الى مفعوله فهو ظاهر اي ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤه اياكم على السنة رسله واذا عرفت هذه الاقوال فاعلم ان كل واحد منها قد دل عليه قرآن
وسنبين هنا ان شاء الله تعالى دليل كل قول منها من القرآن مع ذكر ما يظهر لنا انه ارجحها اما هذا القول الاخير المبني على ان المصدر في الاية مضاف الى مفعوله
وان المعنى ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤه اياكم الى الايمان به وتوحيده وعبادته على السنة رسله وقد دلت عليه ايات من كتاب الله لقوله تعالى في اول سورة هود
وهو الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ايكم احسن عملا وقوله تعالى في اول سورة الكهف انا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم. ايهم احسن عملا
وقوله في اول سورة الملك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا وهذه الايات قد اوضحت ان الحكمة في خلقه السماوات والارض وجميع ما على الارض والموت والحياة هي ان يدعوهم على السنة رسله
ويبتليهم حي ان يختبرهم ايهم احسن عملا وهذه الايات تبين معنى قوله تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون وفي هذه الايات ايضاح لان معنى قوله لولا دعاؤكم اي دعاؤه اياكم على السنة رسله
وابتلاؤكم ايكم احسن عملا وعلى هذا فلا اشكال في قوله وقد كذبتم اي ما يعبأ بكم لولا دعاؤه اياكم اي وقد دعاكم فكذبتم وهذا القول هو وحده الذي لا اشكال فيه
فهو قوي بدلالة الايات المذكورة عليه واما القول بان معنى لولا دعاؤكم اي اخلاصكم الدعاء له ايها الكفار عند الشدائد والكروب وقد دلت على معناه ايات كثيرة كقوله تعالى فاذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين
وقوله تعالى جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان. وظنوا انهم احيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين وقد اوضحنا الايات الدالة على هذا المعنى في سورة بني اسرائيل
الكلام على قوله تعالى واذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون الا اياه الاية وهذا القول وان دلت عليه ايات كثيرة فلا يظهر كونه هو معنى اية الفرقان هذه
واما القول بان المعنى ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه الهة اخرى فقد دل على معناه قوله تعالى ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وامنتم الاية والقول الاول الذي هو اشهر الاقوال
واكثرها قائلا وهو ان المعنى لولا دعاؤكم اي عبادتكم له وحده قد دل عليه جميع الايات الدالة على ما يعطيه الله لمن اطاعه وما اعده لمن عصاه وكثرتها معلومة لا خفاء بها
واعلم ان لفظة ماء في قوله قل ما يعبأ بكم ربي قال بعض اهل العلم هي استفهامية وقال بعضهم هي نافية وكلاهما له وجه من النظر واعلم ان قول من قال
لولا دعاؤكم اي دعاؤكم اياي لاغفر لكم واعطيكم ما سألتم. راجع الى القول الاول لان دعاء المسألة داخل في العبادة كما هو معلوم وقوله فقد كذبتم اي بما جاءكم به رسول الله
صلى الله عليه وسلم وقد قدمنا في الكلام على قوله تعالى ان عذابها كان غراما ان معنى قوله تعالى فسوف يكون لزاما اي سوف يكون العذاب ملازما لهم غير مفارق
كما تقدم ايضاحه وقال جماعة من اهل العلم ان المراد بالعذاب اللازم لهم المعبر عن لزومه لهم بقوله وسوف يكون لزاما انه ما وقع من العذاب يوم بدر لانهم قتل منهم سبعون واسر سبعون
والذين قتلوا منهم اصابهم عذاب القتل واتصل به عذاب البرزخ والاخرة فهو ملازم لا يفارقهم بحال وكون اللازم المذكور في هذه الاية العذاب الواقع يوم بدر نقله ابن كثير عن عبد الله ابن مسعود وابي ابن كعب
ومحمد بن كعب القرضي ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم ثم قال وقال الحسن البصري فسوف يكون لزاما اي يوم القيامة ولا منافاة بينهما انتهى من ابن كثير ونقله صاحب الدر المنثور عن اكثر المذكورين وغيرهم
وقال جماعة من اهل العلم ان يوم بدر ذكره الله تعالى في ايات من كتابه قالوا هو المراد بقوله تعالى ولنذيقنهم من العذاب الادنى. اي يوم بدر دون العذاب الاكبر اي يوم القيامة
وانه هو المراد بقوله فسوف يكون لزاما وانه هو المراد بالبطش والانتقام. في قوله تعالى يوم نبطش البطشة الكبرى. انا منتقمون وانه هو الفرقان الفارق بين الحق والباطل في قوله تعالى ان كنتم امنتم بالله
وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان وهو يوم بدر وانه هو الذي فيه النصر. في قوله تعالى ولقد نصركم الله ببدر الاية وكون المراد بهذه الايات المذكورة
يوم بدر ثبت بعضه في الصحيح عن ابن مسعود وهو المراد بقول الشيخ احمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في الكلام على بدر وقد اتى منوها في الذكر لانه العذاب واللزام
وانه البطش والانتقام وانه الفرقان بين الكفر والحق والنصر سجيس الدهر ومعنا سجيس الدهر اي مدته واظهروا الاقوال في الاية عندي هو القول بان المصدر فيها مضاف الى مفعوله لجريانه على اللغة الفصيحة من غير اشكال ولا تقدير
وممن قال به قتادة والعلم عند الله تعالى بهذا ايها المستمع الكريم نكون قد انتهينا من تفسير سورة الفرقان وتكون لقاءاتنا القادمة ان شاء الله في تفسير سورة الشعراء وحتى ان التقي
نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
