يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نكمل تفسير قول الله تعالى
تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن الاية قال المؤلف رحمه الله رحمة واسعة واعلم ان سبب مقاربة السماوات للتفطر في هذه الاية الكريمة فيه للعلماء وجهان كلاهما يدل له قرآن الوجه الاول
ان المعنى تكاد السماوات يتفطرن خوفا من الله وهيبة واجلالا ويدل لهذا الوجه قوله تعالى قبله وهو العلي العظيم لان علوه وعظمته سبب للسماوات ذلك الخوف والهيبة والاجلال حتى كادت تتفطر
على هذا الوجه فقوله بعده والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الارض مناسبته لما قبله واضحة لان المعنى ان السماوات في غاية الخوف منه تعالى والهيبة والاجلال له وكذلك سكانها من الملائكة
فهم يسبحون بحمد ربهم ان ينزهونه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله مع اثباتهم له كل كمال وجلال خوفا منه وهيبة واجلالا كما قال تعالى ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته
وقال تعالى ولله يسجد ما في السماوات وما في الارض من دابة. والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون فهم لشدة خوفهم من الله واجلالهم له
يسبحون بحمد ربهم ويخافون على اهل الارض ولذلك يستغفرون لهم خوفا عليهم من سخط الله وعقابه ويستأنس لهذا الوجه بقوله تعالى انا عرضنا الامانة على السماوات والارض الى قوله واشفقن منها
لان الاشفاق هو الخوف وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة ويستغفرون لمن في الارض يعني لخصوص الذين امنوا منهم وتابوا الى الله واتبعوا سبيله كما اوضحه تعالى بقوله الذين يحملون العرش ومن حوله
يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين امنوا وقوله للذين امنوا يوضح المراد من قوله لمن في الارض ويزيد ذلك ايضاحا قوله تعالى عنهم انهم يقولون في استغفارهم للمؤمنين فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك
لان ذلك يدل دلالة واضحة على عدم استغفارهم للكفار الوجه الثاني ان المعنى تكاد السماوات يتفطرن من شدة عظم الفريا التي افتراها الكفار على خالق السماوات والارض جل وعلا من كونه اتخذ ولدا
سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا وهذا الوجه جاء موضحا في سورة مريم في قوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا ادا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا
ان دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن ان يتخذ ولدا ان كل من في السماوات والارض الا اتي الرحمن عبدا كما قدمنا ايضاحة وغاية ما في هذا الوجه ان اية الشورى هذه فيها اجمال في سبب تفطر السماوات
وقد جاء ذلك موضحا في اية مريم المذكورة وكلا الوجهين حق وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة يتفطرن من فوقهن فيه للعلماء اوجه قيل يتفطرن اي السماوات من فوقهن اي الاراضين
ولا يخفى بعد هذا القول كما ترى وقال بعضهم من فوقهن اي كل سماء تتفطر فوق التي تليها وقال الزمخشري في الكشاف فان قلت لم؟ قال من فوقهن قلت لان اعظم الايات
وادلها على الجلال والعظمة فوق السماوات وهي العرش والكرسي وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش وما لا يعلمكنه الا الله تعالى من اثار ملكوته العظمى فلذلك قال يتفطرن من فوقهن
اي يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية او لان كلمة الكفر جاءت من الذي تحت السماوات وكان القياس ان يقال يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة ولكنه بولغ في ذلك
فجعلت مؤثرة في وجهة الفوق كأنه قيل يكاد لا يتفطرن من الجهة التي فوقهن. دع الجهة التي تحتهن ونظيره في المبالغة قول الله عز وجل يصب من فوق رؤوسهم الحميم
يسحر به ما في بطونهم فجعل الحميم مؤثرا في اجزائهم الباطنة انتهى محل الغرض منه وهذا انما يتمشى على القول بان سبب التفطر المذكور هو افتراؤهم على الله. في قوله متخذ الرحمن ولدا
وقد قدمنا انفا انه دلت عليه اية مريم المذكورة وعليه فمناسبة قوله والملائكة يسبحون بحمد ربهم لما قبله من الاية ان الكفار وان قالوا اعظم الكفر واشنعه فان الملائكة بخلافهم
فانهم يداومون ذكر الله وطاعته ويوضح ذلك قوله تعالى فان استكبروا الذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار. وهم لا يسأمون وقوله تعالى فان يكفر بها هؤلاء لقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين
كما قدمنا ايضاحه في اخر سورة فصلت قوله تعالى الا ان الله هو الغفور الرحيم اكد جل وعلا في هذه الاية الكريمة انه هو الغفور الرحيم وبين فيها انه هو وحده
المختص بذلك وهذان الامران اللذان تضمنتهما هذه الاية الكريمة قد جاء موضحين في غير هذا الموضع اختصاصه هو جل وعلا بغفران الذنوب وقد ذكره في قوله تعالى ومن يغفر الذنوب الا الله
والمعنى لا يغفر الذنوب الا الله وفي الحديث ربياني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب الا انت الحديث وفي حديث سيد الاستغفار اللهم انت ربي لا اله الا انت خلقتني. الحديث
وفيه وابوء بذنبي فاغفر لي فانه لا يغفر الذنوب الا انت ووجه دلالة هذه الاية على ان الله وحده هو الذي يغفر الذنوب هو ان ضمير الفصل بين المسند والمسند اليه
في قوله الا ان الله هو الغفور الرحيم يدل على ذلك كما هو معلوم في محله واما الامر الثاني فهو توكيده تعالى انه هو الغفور الرحيم فانه اكد ذلك هنا
بحرف الاستفتاح الذي هو الا وحرف التوكيد الذي هو ان وقد اوضح ذلك في ايات كثيرة كقوله جل وعلا ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم وقوله تعالى واني لغفار لمن تاب وامن. الاية
وقوله تعالى ان ربك واسع المغفرة وقوله في الكفار قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقوله في الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة افلا يتوبون الى الله ويستغفرونه
والله غفور رحيم والايات بمثل ذلك كثيرة قال المؤلف رحمه الله وتقبل منه فنرجو الله جل وعلا الكريم الرؤوف الغفور الرحيم ان يغفر لنا جميع ذنوبنا ويتجاوز عن جميع سيئاتنا
ويدخلنا جنته على ما كان منا ويغفر لاخواننا المسلمين انه غفور رحيم وبهذه الدعوات المباركة من المؤلف رحمه الله نأتي على نهاية لقائنا هذا حاملا ان يجمعنا لقاؤنا القادم وانتم بخير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
