يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم. سلام الله عليك ورحمته وبركاته قوله تعالى واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها
ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا بمعنى قوله امرنا مترفيها في هذه الاية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير الاول وهو الصواب الذي يشهد له القرآن وعليه جمهور العلماء
ان الامر في قوله امرنا هو الامر الذي هو ضد النهي وان متعلق الامر محذوف لظهوره والمعنى امرنا مترفيها بطاعة الله وتوحيده وتصديق رسله واتباعهم فيما جاءوا به ففسقوا اي خرجوا عن طاعة امر ربهم
وعصوه وكذبوا رسله فحق عليها القول اي وجب عليها الوعيد فدمرناها تدميرا اي اهلكناها اهلاكا مستأصلا واكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم وهذا القول الذي هو الحق في هذه الاية
تشهد له ايات كثيرة كقوله واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها اباءنا والله امرنا بها قل ان الله لا يأمر بالفحشاء الاية وتصريحه جل وعلا بانه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح
على ان قوله امرنا مترفيها ففسقوا اي امرناهم بالطاعة فعصوا وليس المعنى امرناهم بالفسق ففسقوا لان الله لا يأمر بالفحشاء ومن الايات الدالة على هذا قوله تعالى وما ارسلنا من قبلك في قرية من نذير
الا قال مترفوها انا بما ارسلتم به كافرون وقالوا نحن اكثر اموالا واولادا وما نحن بمعذبين فقوله في هذه الاية وما ارسلنا من قبلك في قرية من نذير الاية لفظ عام في جميع المترفين
من جميع القرى ان الرسل امرتهم بطاعة الله وقالوا لهم انا بما ارسلتم به كافرون وتبجحوا باموالهم واولادهم والايات بمثل ذلك كثيرة وبهذا التحقيق تعلم ان ما زعمه الزمخشري في كشافه
من ان معنى امرنا مترفيها اي امرناهم بالفسق ففسقوا وان هذا مجاز تنزيلا لاسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزلة الامر بذلك كلام كله ظاهر السقوط والبطلان وقد اوضح ابطاله ابو حيان في البحر
والرازي في تفسيره مع انه لا يشك منصف عارف في بطلانه وهذا القول الصحيح في الاية جار على الاسلوب العربي المألوف من قولهم امرته فعصاني اي امرته بالطاعة فعصى وليس المعنى امرته بالعصيان
كما لا يخفى القول الثاني في الاية هو ان الامر في قوله امرنا مترفيها امر كوني قدري اي قدرنا عليهم ذلك وسخرناهم له لان كلا ميسر لما خلق له والامر الكوني القدري
كقوله وما امرنا الا واحدة تلامح بالبصر وقوله قلنا لهم كونوا قردة خاسئين وقوله اتاها امرنا ليلا او نهارا وقوله انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون
القول الثالث في الاية ان امرنا بمعنى اكثرنا اي اكثرنا مترفيها ففسقوا وقال ابو عبيدة امرنا بمعنى اكثرنا لغة فصيحة تآمرنا بالمد ويدل لذلك الحديث الذي اخرجه الامام احمد عن سويد بن هبيرة
ان النبي صلى الله عليه وسلم قال خير مالأمرئ مهرة مأمورة او سكة مأمورة قال ابن كثير قال الامام ابو عبيد القاسم ابن سلام رحمه الله في كتابه الغريب المأمورة كثيرة النسل
والسكة الطريقة المصطفة من النخل والمأبورة من التأبير وهو تعليق طلع الذكر على النخلة لئلا يسقط ثمرها ومعلوم ان اتيان المأمورة على وزن المفعول يدل على ان امر بفتح الميم
مجردا عن الزوائد متعد بنفسه الى المفعول ويتضح كون امره بمعنى اكثره وانكر غير واحد تعدي يا امر الثلاثي بمعنى الاكثار الى المفعول وقالوا حديث سويد بن هبيرة المذكور من قبيل الازدواج
كقولهم الغدايا والعشايا وكحديث رجعن مأزورات غير مأجورات لان الغدايا لا يجوز وانما ساغ للازدواج مع العشايا وكذلك مأزورات بالهمز وهو على غير الاصل لان المادة من الوزر بالواو الا ان الهمزة في قوله مأزورات
للازدواج مع مأجورات والازدواج يجوز فيه ما لا يجوز في غيره كما هو معلوم وعليه فقوله مأمورة اتباع لقوله مأمورة وان كان مذكورا قبله بالمناسبة بين اللفظين ايها المستمع الكريم
ندعوا اكمال اقوال العلماء حول هذه الاية للقائنا ليلة غد ان شاء الله لضيق الوقت عن ذلك فالى ذلك الحين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
