يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى وكم اهلكنا من القرون من بعد نوح
وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة انه اهلك كثيرا من القرون من بعد نوح لان لفظة كم في قوله وكم اهلكنا خبرية معناها الاخبار بعدد كثير
وانه جل وعلا خبير بصير بذنوب عباده واكد ذلك بقوله وكفى بربك الاية وما دلت عليه هذه الاية الكريمة اوضحته ايات اخر من اربع جهات الاولى ان في هذه الاية
تهديدا لكفار مكة وتخويفا لهم من ان ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الامم التي كذبت رسلها اي اهلكنا قرونا كثيرة من بعد نوح بسبب تكذيبهم الرسل ولا تكذبوا رسولنا
لئلا نفعل بكم مثل ما فعلنا بهم والايات التي اوضحت هذا المعنى كثيرة كقوله في قوم لوط وانكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل افلا تعقلون وكقوله فيهم ايضا ان في ذلك لايات للمتوسمين
وانها لبسبيل مقيم وقوله فيهم ايضا ولقد تركنا فيها اية بينة لقوم يعقلون وقوله افلم يسيروا في الارض وينظر كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين امثالها
وقوله بعد ذكره جل وعلا اهلاكه لقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب في سورة الشعراء ان في ذلك لاية وما كان اكثرهم مؤمنين وقوله في قوم موسى ان في ذلك لعبرة لمن يخشى
وقوله ان في ذلك لاية لمن خاف عذاب الاخرة الاية وقوله اهم خير ام قوم تبع والذين من قبلهم اهلكناهم الاية الى غير ذلك من الايات الكثيرة الدالة على تخويفهم بما وقع لمن قبلهم
الجهة الثانية ان هذه القرون تعرضت لبيانها ايات اخر فبينت كيفية اهلاك قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وقومه من قوم موسى وذلك مذكور في مواضع متعددة
معلومة من كتاب الله تعالى وبين ان تلك القرون كثيرة في قوله وعادوا وثمود واصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وبين في موضع اخر ان منها ما لا يعلمه الا الله جل وعلا
وذلك في قوله في سورة ابراهيم الم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم الا الله الاية وبين في موضعين اخرين ان رسلهم
منهم من قص خبره على نبينا صلى الله عليه وسلم ومنهم من لم يقصصه عليه وهما قوله في سورة النساء ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك
وكلم الله موسى تكليما وقوله في سورة المؤمن ولقد ارسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول ان يأتي باية الا باذن الله
الاية الجهة الثالثة ان قوله من بعد نوح يدل على ان القرون التي كانت بين ادم ونوح انها على الاسلام كما قال ابن عباس كانت بين ادم ونوح عشرة قرون
كلهم على الاسلام نقله عنه ابن كثير في تفسير هذه الاية وهذا المعنى تدل عليه ايات اخر كقوله كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين الاية وقوله وما كان الناس الا امة واحدة
فاختلفوا الاية لان معنى ذلك على اصح الاقوال انهم كانوا على طريق الاسلام حتى وقع ما وقع من قوم نوح من الكفر فبعث الله النبيين ينهون عن ذلك الكفر مبشرين من اطاعهم بالجنة
ومنذرين من عصاهم بالنار واولهم في ذلك نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ويدل على هذا قوله انا اوحينا اليك كما اوحينا الى نوح والنبيين من بعده الاية وفي احاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح وغيرها
انهم يقولون لنوح انه اول رسول بعثه الله لاهل الارض كما قدمنا ذلك في سورة البقرة الجهة الرابعة ان قوله وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا فيه اعظم زجر عن ارتكاب ما لا يرضى الله تعالى
والايات الموضحة لذلك كثيرة جدا لقوله تعالى ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب اليه من حبل الوريد وقوله الا انهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه الا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون. انه عليم بذات الصدور
وقوله واعلموا ان الله يعلم ما في انفسكم فاحذروه الاية الى غير ذلك من الايات وقد قدمنا هذا المبحث موضحا في اول سورة هود ولفظة كم في هذه الاية الكريمة
في محل نصب مفعول به لاهلكنا ومن في قوله من القرون بيان لقوله كم وتمييز له كما يميز العدد بالجنس واما لفظة منه في قوله من بعد نوح الظاهر انها لابتداء الغاية
وهو الذي اختاره ابو حيان في البحر وزعم الحوثي ان من الثانية بدل من الاولى ورده عليه ابو حيان والعلم عند الله تعالى مستمعي الكريم كان هذا قدر حلقة هذه الليلة
ولنا لقاء ليلة غد ان شاء الله فالى ذلك الحين استودعك الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
