يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته قوله تعالى واذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس كان من الجن
ففسق عن امر ربه قدمنا في سورة البقرة ان قوله تعالى اسجدوا لادم محتمل لان يكون امرهم بذلك قبل وجود ادم امر معلقا على وجوده ومحتمل لانه امرهم بذلك تنجيزا بعد وجود ادم
وانه جل وعلا بين في سورة الحجر وسورة صاد ان اصل الامر بالسجود متقدم على خلق ادم معلق عليه قال في الحجر واذ قال ربك للملائكة اني خالق بشر من صلصال من حمأ مسنون
فاذا سويته ونفخت فيه من روحي تقعوا له ساجدين وقال في صاد اذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من طين فاذا سويته ونفخت فيه من روحي تقعوا له ساجدين
ولا ينافي هذا انه بعد وجود ادم جدد لهم الامر بالسجود له تنجيزا وقوله في هذه الاية الكريمة فسجدوا محتمل لان يكونوا سجدوا كلهم او بعضهم ولكنه بين في مواضع اخر
انهم سجدوا كلهم كقوله فسجد الملائكة كلهم اجمعون ونحوها من الايات وقوله في هذه الاية الكريمة كان من الجن ففسق عن امر ربه ظاهر في ان سبب فسقه عن امر ربه
كونه من الجن وقد تقرر في الاصول في مسلك النص وفي مسلك الايماء والتنبيه ان الفاء من الحروف الدالة على التعليل كقولهم سرق فقطعت يده اي لاجل سرقته وسها فسجد
اي لاجل سهوه ومن هذا القبيل قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما لعلة سرقتهما وكذلك قوله هنا كان من الجن ففسق اي لعلة كينونته من الجن لان هذا الوصف فرق بينه وبين الملائكة
لانه ممتثل الامر وعصى هو ولاجل ظاهر هذه الاية الكريمة ذهبت جماعة من العلماء الى ان ابليس ليس من الملائكة في الاصل بل من الجن وانه كان يتعبد معهم فاطلق عليه اسمهم لانه تبع لهم
كالحليف في القبيلة يطلق عليه اسمها والخلاف في ابليس هل هو ملك في الاصل وقد مسخه الله شيطانا او ليس في الاصل بملك وانما شمله لفظ الملائكة لدخوله فيهم وتعبده معهم
مشهور عند اهل العلم وحجة من قال ان اصله ليس من الملائكة امران احدهما عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه ابليس كما قال تعالى عنهم لا يعصون الله ما امرهم
ويفعلون ما يؤمرون وقال تعالى لا يسبقونه بالقول وهم بامره يعملون والثاني ان الله صرح في هذه الاية الكريمة بانه من الجن والجن غير الملائكة قالوا وهو نص قرآني في محل النزاع
واحتج من قال انه ملك في الاصل بما تكرر في الايات القرآنية من قوله فسجد الملائكة كلهم اجمعون الا ابليس قالوا فاخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على انه منهم
وقال بعضهم والظواهر اذا كثرت صارت بمنزلة النص ومن المعلوم ان الاصل في الاستثناء الاتصال لا الانقطاع قالوا ولا حجة لمن خالفنا في قوله تعالى كان من الجن لان الجن قبيلة من الملائكة
خلقوا من بين الملائكة من نار السموم كما روي عن ابن عباس والعرب تعرف في لغتها اطلاق الجن على الملائكة ومنه قول الاعشى سليمان ابن داود وسخر من جن الملائكة تسعة
يا من لديه يعملون بلا اجر قالوا ومن اطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا عند من يقول بان المراد بذلك قولهم الملائكة بنات الله سبحانه
وتعالى عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله علوا كبيرا وممن جزم بانه ليس من الملائكة في الاصل لظاهر هذه الاية الكريمة الحسن البصري ونصره الزمخشري في تفسيره وقال القرطبي في تفسير سورة البقرة
ان كونه من الملائكة هو قول الجمهور ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وابن المسيب وقتادة وغيرهم وهو اختيار الشيخ ابي الحسن ورجحه الطبري وهو ظاهر قوله الا ابليس انتهى
وما يذكره المفسرون عن جماعة من السلف كابن عباس وغيره من انه كان من اشراف الملائكة ومن خزان الجنة وانه كان يدبر امر السماء الدنيا وانه كان اسمه عزازيل كله من الاسرائيليات
التي لا معول عليها واظهروا الحجج في المسألة حجة من قال انه غير ملك لان قوله تعالى الا ابليس كان من الجن ففسق الاية وهو اظهر شيء في الموضوع من نصوص الوحي
والعلم عند الله تعالى وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة ففسق عن امر ربه اي خرج عن طاعة امر ربه والفسق في اللغة الخروج ومنه قول رؤبة ابن العجاج يهوينا في نجد وغورا غائرا
وواثقا عن قصدها جوائرا وهذا المعنى ظاهر لا اشكال فيه فلا حجة لقول من قال ان عن سببية كقوله وما نحن بتاركي الهتنا عن قولك اي بسببه وان المعنى ففسق عن امر ربه اي بسبب امره حيث لم يمتثله
ولا غير ذلك من الاقوال ايها المستمع الكريم ندعو اكمال تفسير بقية الاية الى لقائنا القادم ان شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
