يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم سلام الله عليكم ورحمته وبركاته قوله تعالى ومن اظلم ممن ذكر بايات ربه
فاعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة انه لا احد اظلم اي اكثر ظلما لنفسه ممن ذكر اي وعظ بايات ربه وهي هذا القرآن العظيم
فاعرض عنها اي تولى وصد عنها وانما قلنا ان المراد بالايات هذا القرآن العظيم لقرينة تذكير الضمير العائد الى الايات في قوله ان يفقهوه اي القرآن المعبر عنه بالايات ويحتمل شمول الايات للقرآن وغيره
ويكون الضمير في قوله اي يفقهوه اي ما ذكر من الايات كقول رؤبة فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى قال انه يقول انها بقرة لا فارض ولا بكر
عوان بين ذلك اي ذلك الذي ذكر من الفارغ والبكر ونظيره من كلام العرب قول ابن الزبعرة ان للخير وللشر مدى وكذا ذلك وجه وقبل اي كلا ذلك المذكور من خير وشر
وقد قدمنا ايضاح هذا وقوله ونسي ما قدمت يداه اي من المعاصي والكفر مع ان الله لم ينسه بل هو محصيه عليه ومجازيه به كما قال تعالى يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا
احصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد وقال تعالى وما نتنزل الا بامر ربك له ما بين ايدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا وقال تعالى
قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى وقال بعض العلماء في قوله ونسي ما قدمت يداه اي تركه عمدا ولم يتب منه وبه صدر القرطبي رحمه الله تعالى
وما ذكره في هذه الاية الكريمة من ان الاعراض عن التذكرة بايات الله من اعظم الظلم قد زاد عليه في مواضع اخر فيانا اشياء من النتائج السيئة والعواقب الوخيمة الناشئة عن الاعراض عن التذكرة
فمن نتائجه السيئة ما ذكره هنا من ان صاحبه من اعظم الناس ظلما ومن نتائجه السيئة جعلوا الاكنة على القلوب حتى لا تفقه الحق وعدم الاهتداء ابدا كما قال هنا
مبينا بعض ما ينشأ عنه من العواقب السيئة انا جعلنا على قلوبهم اكنة اي يفقهون وفي اذانهم واقرأ وان تدعوهم الى الهدى فلن يهتدوا اذا ابدا ومنها انتقام الله جل وعلا
من المعرض عن التذكرة كما قال تعالى ومن اظلم ممن ذكر بايات ربه ثم اعرض عنها انا من المجرمين منتقمون ومنها كون المعرض كالحمار كما قال تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين
كانهم حمر مستنفرة الاية ومنها الانذار بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود كما قال تعالى فان اعرضوا فقل انذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود الاية ومنها المعيشة الضنك والعمى كما قال تعالى
ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة اعمى ومنها سلكه العذاب الصعد كما قال تعالى ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ومنها تقييد القرناء من الشياطين
كما قال تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين الى غير ذلك من النتائج السيئة والعواقب الوخيمة الناشئة عن الاعراض عن التذكير بايات الله جل وعلا
وقد امر تعالى في موضع اخر بالاعراض عن المتولي عن ذكره القاصر نظره على الحياة الدنيا وبين ان ذلك هو مبلغه من العلم فلا علم عنده بما ينفعه في معاده
وذلك في قوله تعالى فاعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد الا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم وقد نهى جل وعلا عن طاعة مثل ذلك المتولي عن الذكر
الغافل عنه في قوله ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان امره فرطا كما تقدم ايضاحه وقوله في هذه الاية ما قدمت يداه اي ما قدم من اعمال الكفر
ونسب التقديم الى خصوص اليد لان اليد اكثر مزاولة للاعمال من غيرها من الاعضاء فنسبت الاعمال اليها على عادة العرب في كلامهم وان كانت الاعمال التي قدمها منها ما ليس باليد
كالكفر باللسان والقلب وغير ذلك من الاعمال التي لا تزاول باليد كالزنا وقد بينا في كتابنا دفع ايهام الاضطراب عن ايات الكتاب وجه الجمع بين قوله ومن اظلم ممن ذكر بايات ربه
الاية وقوله ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا ونحو ذلك من الايات واشهر اوجه الجمع في ذلك وجهان احدهما ان كل من قال الله فيه ومن اظلم ممن فعل كذا
لا احد اظلم من واحد منهم واذا فهم متساوون في الظلم لا يفوق بعضهم فيه بعضا فلا اشكال في كون كل واحد منهم لا احد اظلم منه والثاني ان صلة الموصول
تعين كل واحد في محله وعليه المعنى في قوله ومن اظلم ممن ذكر بايات ربه فاعرض عنها اي لا احد اظلم ممن ذكر بايات ربه فاعرض عنها وفي قوله ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا
اي لا احد من المفترين اظلم ممن افترى على الله كذبا وهكذا والاول حولة لانه جار على ظاهر القرآن ولا اشكال فيه وممن اختاره ابو حيان في البحر ايها المستمع الكريم
ندع تفسير بقية الاية للقائنا القادم ان شاء الله حاملا ان يتجدد بنا وبكم اللقاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
