يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في هذه الحلقة نكمل تفسير بقية قول الله تعالى
من اظلم ممن ذكر بايات ربه الاية قال المؤلف رحمه الله قوله تعالى وان تدعوهم الى الهدى فلن يهتدوا اذا ابدا بين في هذه الاية الكريمة ان الذين جعل الله على قلوبهم اكنة
تمنعهم ان يفقهوا ما ينفعهم من ايات القرآن. التي ذكروا بها لا يهتدون ابدا  فلا ينفع فيهم دعاؤك اياهم الى الهدى  وهذا المعنى الذي اشار له هنا من ان من اشقاهم الله
لا ينفع فيهم التذكير جاء مبينا في مواضع اخرى كقوله ان الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل اية حتى يروا العذاب الاليم وقوله تعالى كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به
حتى يروا العذاب الاليم وقوله تعالى وما تغني الايات والنذر عن قوم لا يؤمنون وقوله تعالى وما كان لنفس ان تؤمن الا باذن الله  ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون
وقوله تعالى ان تحرص على هداهم فان الله لا يهدي من يضل. وما لهم من ناصرين وهذه الاية وامثالها في القرآن فيها وجهان معروفان عند العلماء  احدهما انها في الذين سبق لهم في علم الله انهم اشقياء. عياذا بالله تعالى
والثاني ان المراد انهم كذلك ما داموا متلبسين بالكفر فان هداهم الله الى الايمان وانابوا زال ذلك المانع  والاول اظهر والعلم عند الله تعالى  والفاء في قوله فلن يهتدوا لازمة
لان الفعل الذي بعد لن لا يصلح ان يكون شرطا لان ونحوها والجزاء اذا لم يكن صالحا لان يكون شرطا لان ونحوها لزم اقترانه بالفاء كما عقده في الخلاصة بقوله وقرن بفاء حتما جوابا لو جعل
شرطا لئن او غيرها لم ينجعل. وقوله في هذه الاية الكريمة اذا جزاء وجواب فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم  بمعنى انهم جعلوا ما يجب ان يكون سببا للاهتداء
سببا لانتفائه  لان المعنى فلن يهتدوا اذا دعوتهم ذكر هذا المعنى الزمخشري وتبعه ابو حيان في البحر وهذا المعنى قد غلط فيه وغلط فيه خلق كثير لا يحصى كثرة من البلاغيين وغيرهم
وايضاح ذلك ان الزمخشري هنا وابا حيان ظن ان قوله وان تدعوهم الى الهدى فلن يهتدوا اذا ابدا شرط وجزاء  وان الجزاء مرتب على الشرط كترتيب الجزاء على ما هو شرط فيه
ولذا ظن ان الجزاء الذي هو عدم الاهتداء المعبر عنه في الاية لقوله فلن يهتدوا مرتب على الشرط. الذي هو دعاؤه اياهم المعبر عنه في الاية بقوله وان تدعوهم الى الهدى
المشار اليه ايضا بقوله اذا  فصار دعاؤه اياهم سبب انتفاء اهتدائهم وهذا غلط لان هذه القضية الشرطية في هذه الاية الكريمة ليست شرطية لزومية   حتى يكون بين شرطها وجزائها ارتباط
بل هي شرطية اتفاقية الشرطية الاتفاقية لا ارتباط اصلا بين طرفيها فليس احدهما سببا في الاخر ولا ملزوما ولا لازما له كما لو قلت ان كان الانسان ناطقا فالفرس صاهل
فلا ربط بين الطرفين لان الجزاء في الاتفاقية له سبب اخر غير مذكور كقولك لو لم يخف الله لم يعصه لان سبب انتفاء العصيان ليس هو عدم الخوف الذي هو الشرط
بل هو شيء اخر غير مذكور وهو تعظيم الله جل وعلا ومحبته المانعة من معصيته  وكذلك قوله هنا فلن يهتدوا اذا ابدا سببه الحقيقي غير مذكور معه  وليس هو قوله وان تدعوهم
كما ظنه الزمخشري وابو حيان وغيرهما بل سببه هو ارادة الله جل وعلا انتفاء اهتدائهم  على وفق ما سبق في علمه ازلا  ونظير هذه الاية الكريمة في عدم الارتباط بين طرفي الشرطية
قوله تعالى قل لو كنتم في بيوتكم فبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم لان سبب بروزهم الى مضاجعهم شيء اخر غير مذكور في الاية وهو ما سبق في علم الله
من ان بروزهم اليها لا محالة واقع وليس سببه كينونتهم في بيوتهم المذكورة في الاية وكذلك قوله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر الاية  الى غير ذلك من الايات
قال المؤلف رحمه الله وقد اوضحت الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في ارجوزتي في المنطق وشرحي لها في قول مقدم الشرطية المتصلة مهما تكن صحبة ذاك التالي له لموجب قد اقتضاها كسبب فهي اللزومية ثم ان ذهب
موجب الاصطحاب ذا بينهما فالاتفاقية عند العلماء ومثال الشرطية المتصلة اللزومية قولك كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا لظهور التلازم بين الطرفين ويكفي في ذلك حصول مطلق اللازمية دون التلازم من الطرفين
كقولك كلما كان الشيء انسانا كان حيوانا اذ لا يصدق عكسه فلو قلت كلما كان الشيء حيوانا كان انسانا لم يصدق  لان اللزوم في احد الطرفين لا يقتضي الملازمة في كليهما
ومطلق اللزوم تكون به الشرطية لزومية اما اذا عدم اللزوم من اصله بين طرفيها فهي اتفاقية ومثالها كلما كان الانسان ناطقا كان الحمار ناهقا وبسبب عدم التنبه للفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية
ارتبك خلق كثير من النحويين والبلاغيين في الكلام على معنى لو لانهم ارادوا ان يجمعوا في المعنى بين قولك لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودا وبين قولك لو لم يخف الله لم يعصه
مع ان الشرط سبب في الجزاء في الاول لانها شرطية اللزومية ولا ربط بينهما في الثاني لانها شرطية اتفاقية ولا شك ان من اراد ان يجمع بين المفترقين ارتبك. والعلم عند الله تعالى
بهذا ايها المستمع الكريم نأتي على نهاية هذه الحلقة وامل ان يتجدد لنا اللقاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
