يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته  قوله تعالى فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فجاءها المخاض الى جذع النخلة
قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان مريم حملت عيسى فقوله حملته اي عيسى فانتبذت به اي تنحت به وبعدت معتزلة عن قومها
مكانا قصيا اي في مكان بعيد والجمهور على ان المكان المذكور بيت لحم وفيه اقوال اخر غير ذلك وقوله فاجاءها المخاض اي الجأها الطلق الى جذع النخلة اي جذع نخلة في ذلك المكان
والعرب تقول جاء فلان واجاءه غيره اذا حمله على المجيء ومنه قول زهير وجار سار معتمدا الينا فجاءته المخافة والرجاء وقول حسان رضي الله عنه اذ شددنا شدة صادقة فاجأناكم الى سفح الجبل
والمخاض الطلق وهو وجع الولادة وسمي مخاضا من المخ وهو الحركة الشديدة لشدة تحرك الجنين في بطنها اذا اراد الخروج وقوله قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا
تمنت ان تكون قد ماتت قبل ذلك. ولم تكن شيئا يذكر فاذا عرفت معنى هاتين الايتين فاعلم انه هنا لم يبين كيفية حملها به ولم يبين هل هذا الذي تنحت عنهم من اجله
وتمنت من اجله ان تكون ماتت قبل ذلك وكانت نسيا منسيا وهو خوفها من ان يتهموها بالزنا وانها جاءت بذلك الغلام من زنا وقعت فيه. او سلمت منه ولكنه تعالى
بين كل ذلك في غير هذا الموضع فأشار الى ان كيفية حملها انه نفخ فيها فوصل النفخ الى فرجها فوقع الحمل بسبب ذلك كما قال ومريم ابنة عمران التي احصنت فرجها
فنفخنا فيه من روحنا وقال والتي احصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا الاية والذي عليه الجمهور من العلماء ان المراد بذلك النفخ نفخ جبريل فيها باذن الله فحملت كما تدل لذلك قراءة الجمهور
في قوله انما انا رسول ربك لاهب لك غلاما ذكيا كما تقدم ولا ينافي ذلك اسناد الله جل وعلا النفخ المذكور لنفسه في قوله فنفخنا لان جبريل انما اوقعه باذنه وامره ومشيئته
وهو تعالى الذي خلق الحمل من ذلك النفخ فجبريل لا قدرة له على ان يخلق الحمل من ذلك النفخ ومن اجل كونه باذنه ومشيئته وامره تعالى ولا يمكن ان يقع النفخ المذكور ولا وجود الحمل منه
الا بمشيئته جل وعلا اسنده الى نفسه والله تعالى اعلم وقد بين تعالى في مواضع اخر ان ذلك الذي خافت منه وهو قذفهم لها بالفاحشة قد وقعت فيه ولكن الله برأها منه
وذلك كقوله عنهم قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يعنون الفاحشة وقوله عنهم يا اخت هارون ما كان ابوك امرأ سوء وما كانت امك بغيا يعنون فكيف فجرت انت
وجئت بهذا الولد وكقوله تعالى وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقوله مكانا قصيا القصي البعيد ومنه قول راجس لتقعدن مقعد القصي مني ذي القاذورة المقلي او تحلفي بربك العلي
اني ابو ذيالك الصبي وهذا المكان القصي قد وصفه الله تعالى في غير هذا الموضع بقوله وجعلنا ابن مريم وامه اية واويناهما الى ربوة ذات قرار ومعين وقوله في هذه الاية الكريمة
فانتبذت به فانتبذت وهو في بطنها والاشارة في قوله هذا الى الحمل والمخاض الذي اصابها للوضع وقوله في هذه الاية الكريمة عنها وكنت نسيا منسيا النسي والنسي بالكسر والفتح هو ما من حقه ان يطرح وينسى
لحقارته كالوتد والعصا ونحو ذلك ومن كلام العرب اذا ارتحلوا عن الدار قولهم انظروا انساءكم جمع نسي اي الاشياء الحقيرة التي من شأنها ان تترك وتنسى كالعصا والوتد ونحو ذلك
فقولها وكنت نسيا اي شيئا تافها حقيرا من حقه ان يترك وينسى عادة وقولها منسيا تعني ان ذلك الشيء التافه الذي من عادته ان يترك وينسى قد نسي وطرح بالفعل
فوجد فيه النسيان الذي هو حقه واقوال المفسرين في الاية راجعة الى ما ذكرنا ومن اطلاق النسي على ما ذكرنا قول الكوميت اتجعلنا جسرا لكلب قضاعة؟ ولست بنسي ذي معد ولا دخل
فقوله بنسل اي شيء تافه منسي وقول الشنفرة كأن لها في الارض نسيا تقصه على امها وان تحدثك تابلتي وقوله نسيا اي شيئا تركته ونسيته وقوله تبلت فتحة تاء وسكون الباء الموحدة
وفتح اللام بعدها تاء التأنيث اي تقطع كلامها من الحياء والبلت في اللغة القطع وقرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي يا ليتني مت بكسر الميم وقرأ الباقون مت بضم الميم
وقرأ حفص عن عاصم وحمزة وكنت نسيا بفتح النون والباقون بكسرها وهما لغتان فصيحتان وقراءتان صحيحتان واقوال العلماء في قدر المدة التي حملت فيها مريم بعيسى قبل الوضع لم نذكرها لعدم دليل على شيء منها
واظهرها انه حمل كعادة حمل النساء وان كان منشأه خارقا للعادة والله تعالى اعلم ايها المستمع الكريم ولنا باذن الله لقاء اخر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
