يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا
لما اقام الله جل وعلا البرهان على البعث بقوله اولا يذكر الانسان انا خلقناه من قبل ولم يكن شيئا اقسم جل وعلا بنفسه الكريمة انه يحشرهم اي الكافرين المنكرين للبعث
وغيرهم من الناس ويحشر معهم الشياطين الذين كانوا يضلونهم في الدنيا وانه يحضرهم حول جهنم جثيا وهذان الامران اللذان ذكرهما في هذه الاية الكريمة اشار اليهما في غير هذا الموضع
اما حشره لهم ولشياطينهم وقد اشار اليه بقوله احشروا الذين ظلموا وازواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم الى صراط الجحيم على احد التفسيرات وقوله حتى اذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين. فبئس القرين
واما احضارهم حول جهنم جثيا وقد اشار له في قوله وترى كل امة جاثية كل امة تدعى الى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون وقوله في هذه الاية الكريمة جثيا جمع جاذ
والجاثي اسمه فاعل جثا يجذو جثوا وجثا يجثي  اذا جلس على ركبتيه او قام على اطراف اصابعه والعادة عند العرب انهم اذا كانوا في موقف ضنك وامر شديد جثوا على ركابهم
ومنه قول بعضهم فمن للحماة ومن للكماة اذا ما الكمات جثوا للركب اذا قيل مات ابو مالك المكرمات قريع العرب وكونوا معنى قوله جثيا في هذه الاية وقوله وترى كل امة جاذية الاية
انه جزيهم على ركبهم هو الظاهر وهو قول الاكثر وهو الاطلاق المشهور في اللغة ومنه قول الكوميت هم تركوا سراته موجذيا. وهم دون السراة مقرنين عن ابن عباس في قوله في هذه الاية الكريمة
ان معناه جماعات وعن مقاتل جثيا اي جمعا جمعا وهو على هذا القول جمع جثوة مثلثة الجيم وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع فاهل الخمر يحضرون حول جهنم على حدى واهل الزنا على حدة واهل السرقة على حدة وهكذا
ومن هذا المعنى قول طرفة ابن العبد في معلقته ترى جزوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفيح من الضد هكذا قال بعض اهل العلم ولكنه يرد عليه ان فعله كجثوة
لم يعهد جمعها على فعول كجذي وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي وحفص بكسر الجيم اتباعا للكسرة بعده وقرأه الباقون بضم الجيم على الاصل قوله تعالى ثم لننزعن من كل شيعة ايهم اشد على الرحمن عتيا
ثم لا نحن اعلم بالذين هم اولى بها صليا قوله في هذه الاية الكريمة لننزعن اي لنستخرجن من كل شيعة اي من كل امة اهل دين واحد واصل الشيعة  كفرقة
وهي الطائفة التي شاعت غيرها اي تبعته في هدى او ضلال يقول العرب شاعه شياعا اذا تبعه وقوله تعالى ايهم اشد على الرحمن عتيا اين نستخرجن ولنميزن من كل طائفة
من طوائف الغي والفساد اقصاهم فاعصاهم واعطاهم فاعتاهم فيبدأ بتعذيبه وادخاله النار على حسب مراتبهم في الكفر والاضلال والضلال وهذا هو الظاهر في معنى الاية الكريمة ان الرؤساء القادة في الكفر
يعذبون قبل غيرهم. ويشدد عليهم العذاب لضلالهم واضلالهم وقد جاءت ايات من كتاب الله تعالى تدل على هذا لقوله تعالى الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون
وقوله تعالى وليحملن اثقالهم واثقالا مع اثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون وقوله ليحملوا اوزارهم كاملة يوم القيامة ومن اوزار الذين يضلونهم بغير علم الا ساء ما يزرون ولاجل هذا كان في امم النار اولى واخرى
فالاولى التي يبدأ بعذابها وبدخولها النار والاخرى التي تدخل بعدها على حسب تفاوتهم في انواع الكفر والضلال كما قال تعالى قال ادخلوا في امم قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار
كلما دخلت امة لعنت اختها حتى اذا اداركوا فيها جميعا قالت اخراهم لاولاهم ربنا هؤلاء اضلونا فاتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت اولاهم لاخراهم فما كان لكم علينا من فضل. فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون
وقوله في هذه الاية الكريمة ثم لنحن اعلم بالذين هم اولى بها صليا يعني انه جل وعلا اعلم بمن يستحق منهم ان يصلى النار ومن هو اولى بذلك وقد بين ان الرؤساء والمرؤوسين
كلهم ممن يستحق ذلك في قوله قال لكل ضعف الاية والصلي مصدر صلي النار كرضي يصلاها صليا بالضم والكسر. اذا قاس المها وباشر حرها واختلف العلماء في وجه رفع اي مع انه منصوب
لانه مفعول لننزعن فذهب سيبويه ومن تبعه الى ان لفظة اي موصولة وانها مبنية على الضم. اذا كانت مضاعفة وصدر صلتها ضميرا محذوفا كما هنا  وعقده ابن مالك في الخلاصة
لقوله اي كما واعربت ما لم تضف وصدر وصلها ضمير انحذف وبعضهم اعرب مطلقا الى اخره. ويدل على صحة قول سيبويه رحمه الله قول غسان بن وعلة اذا ما لقيت بني مالك
وسلم على ايهم افضل. والرواية بضم ايهم وخالف الخليل ويونس وغيرهما سيبويه في اي المذكورة. فقال الخليل انها في الاية استفهامية محكية بقول مقدر والتقدير ثم لننزعن من كل شيعة
الذي يقال فيه ايهم اشد؟ وانشد الخليل لهذا المعنى الذي ذهب اليه قول الشاعر ولقد ابيت من الفتاة بمنزل فابيت لا حرج ولا محروم كيف ابيت بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا هو محروم
واما يونس فذهب الى انها استفهامية ايضا لكنه حكم بتعليق الفعل قبلها بالاستفهام لان التعليق عنده لا يختص بافعال القلوب واحتج لسيبويه على الخليل ويونس ومن تبعهما ببيت غسان ابن وعلة المذكور انفا
لان الرواية فيه بضم ايهم مع ان حروف الجر لا يضمر بينها وبين معمولها قول. ولا تعلق على الاصوب وان خالف فيه بعضهم ببعض التأويلات وبما ذكرنا تعلم ان ما ذكره بعضهم
من ان جميع النحويين غلطوا سيبويه في قوله هذا في اي في هذه الاية الكريمة خلاف التحقيق والعلم عند الله تعالى وقرأ حمزة والكسائي وحفص عتيا بكسر العين وصليا بكسر الصاد للاتباع
وقرأ الباقون بالضم فيهما على الاصل ايها المستمع الكريم حسبنا في هذا اللقاء ما مضى ولنا لقاء اخر باذن الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
