يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذا اللقاء نستكمل بقية تفسير قول الله جل وعلا ويزيد الله الذين اهتدوا هدى. الاية. قال رحمه الله
وقوله تعالى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا تقدم ايضاحه في سورة الكهف فان قيل ظاهر الاية ان لفظة خير في قوله خير ثوابا وخير مردا. صيغة تفضيل
والظاهر ان المفضل عليه هو جزاء الكافرين ويدل لذلك ما قاله صاحب الدر المنثور قال واخرج ابن ابي حاتم عن سعيد ابن جبير في قوله خير عند ربك ثوابا يعني خير جزاء من جزاء المشركين
وخير مردا يعني مرجعا من مرجعهم الى النار والمعروف بالعربية ان صيغة التفضيل تقتضي مشاركة المفضل والمفضل عليه في اصل المصدر مع ان المفضل يزيد فيه على المفضل عليه والخيرية منفية بتاتا عن جزاء المشركين وعن مردهم
فلم يشاركوا في ذلك المسلمين حتى يفضلوا عليهم الجواب ان الزمخشري في كشافه حاول الجواب عن هذا السؤال بمحاصله انه كأنه قيل ثوابهم النار. والجنة خير منها على طريقة قول بشر بن ابي خازم
غضبت تميم ان تقتل عامر يوم النساء فاعتبوا بالصيلم وقوله اعتبوا بالصيلم يعني ارضوا بالسيف اي لا رضا لهم عندنا الا السيف نقتلهم به ونظيره قول عمرو بن معدي كرب
وخيل قد ذلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع ايلا تحية بينهم الا الضرب الوجيع وقول الاخر شجعاء جرتها الذميل تلوكه. اصلا اذا راح المطي غراثا يعني ان هذه الناقة لا جرة لها تخرجها من كرشها
فتنبرها الا السير وعلى هذا المعنى فالمراد لا ثواب لهم الا النار وباعتبار جعلها ثوابا بهذا المعنى فضل عليها ثواب المؤمنين. هذا هو حاصل جواب الزمخشري مع ايضاحنا له قال مقيده عفا الله عنه وغفر له
ويظهر لي في الاية جواب اخر اقرب من هذا. وهو انا قدمنا ان القرآن والسنة الصحيحة دل على ان الكافر يجازى بعمله الصالح في الدنيا فاذا بر والديه ونفس عن المكروب وقرأ الضيف ووصل الرحم مثلا يبتغي بذلك وجه الله
فان الله يذيبه في الدنيا كما قدمنا دلالة الايات عليه وحديث انس عند مسلم فثوابه هذا الراجع اليه من عمله في الدنيا هو الذي فضل الله عليه في الاية ثواب المؤمنين
وهذا واضح لا اشكال فيه والعلم عند الله تعالى قوله تعالى افرأيت الذي كفر باياتنا وقال لاوتين مالا وولدا اخرج الشيخان وغيرهما من غير وجه عن خباب ابن الارت رضي الله عنه
قال جئت العاص ابن وائل السهمي اتقاضاه حقا لي عنده فقال لا اعطيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقلت لا حتى تموت ثم تبعث قال واني لميت ثم مبعوث؟ قلت نعم
قال ان لي هناك مالا وولدا فاقضيك فنزلت هذه الاية افرأيت الذي كفر باياتنا وقال لاوتين مالا وولدا وقال بعض اهل العلم ان مراده بقوله لاوتين مالا وولدا الاستهزاء بالدين وبخباب بن الارت رضي الله عنه
والظاهر انه زعم انه يؤتى مالا وولدا قياسا منه للاخرة على الدنيا. كما بينا الايات الدالة على ذلك بقوله ولئن رجعت الى ربي ان لي عنده للحسنى وقوله ايحسبون ان ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم بالخيرات الاية
وقوله يقال نحن اكثر اموالا واولادا. وما نحن بمعذبين. الى غير ذلك من الايات. كما تقدم ايضاحه وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي وولدا بضم الواو الثانية وسكون اللام وقرأه الباقون بفتح الواو واللام معا. وهما لغتان معناهما واحد
كالعرب والعرب والعدم والعدم ومن اطلاق العرب الولد بضم الواو وسكون اللام بقراءة حمزة والكسائي قول الحارث بن حلزة ولقد رأيت معاشرا قد ثمروا مالا وولدا وقول رؤبة الحمد لله العزيز فردا لم يتخذ من ولد شيء ولدا
وزعم بعض علماء العربية ان الولد بفتح الواو واللام مفرد وان الولد بضم الواو وسكون اللام جمع لام كاسد بالفتح يجمع على اسد بضم فسكون والظاهر عدم صحة هذا ومما يدل على ان الولد بالضم ليس بجمع
قول الشاعر فليت فلانا كان في بطن امه وليت فلانا كان ولد حماري لان الولد في هذا البيت بضم الواو وسكون اللام. وهو مفرد قطعا كما ترى قوله تعالى اطلع الغيب ام اتخذ عند الرحمن عهدا؟ كلا
اعلم ان الله جل وعلا في هذه الاية الكريمة رد على العاص بن وائل السهمي قوله انه يؤتى يوم القيامة مالا وولدا بالدليل المعروف عند الجدليين بالتقسيم والترديد وعند الاصوليين بالصبر والتقسيم وعند المنطقيين بالشرطي المنفصل
وضابط هذا الدليل العظيم انه متركب من اصلين احدهما حصر اوصاف المحل بطريق من طرق الحصر وهو المعبر عنه بالتقسيم عند الاصوليين والجدليين وبالشرطي المنفصل عند المنطقيين والثاني هو اختيار تلك الاوصاف المحصورة
وابطال ما هو باطل منها وابقاء ما هو صحيح منها. كما سترى ايضاحه ان شاء الله تعالى وهذا الاخير هو المعبر عنه عند الاصوليين بالصبر وعند الجدلين بالترديد وعند المنطقيين بالاستثناء في الشرطي المنفصل
والتقسيم الصحيح في هذه الاية الكريمة يحصر اوصاف المحل في ثلاثة والصبر الصحيح يبطل اثنين منها ويصحح الثالث وبذلك يتم العاصي ابن وائل الحجر في دعواه. انه يؤتى يوم القيامة مالا وولدا
اما وجه حصر اوصاف المحل في ثلاثة فهو انا نقول قولك انك تؤتى مالا وولدا يوم القيامة لا يخلو مستندك فيه من واحد من ثلاثة اشياء الاول ان تكون اطلعت على الغيب
وعلمت ان ايتائك المال والولد يوم القيامة مما كتبه الله في اللوح المحفوظ والثاني ان يكون الله اعطاك عهدا بذلك فانه ان اعطاك عهدا لن يخلفه والثالث ان تكون قلت ذلك
افتراء على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب وقد ذكر تعالى القسمين الاولين في قوله على الغيب ام اتخذ عند الرحمن عهدا مبطلا لهما باداة الانكار ولا شك ان كلا هذين القسمين
باطل لان العاصي المذكور لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدا وتعين القسم الثالث وهو انه قال ذلك افتراء على الله وقد اشار تعالى الى هذا القسم الذي هو الواقع بحرف الزجر والردع
وهو قوله كلا اي لانه يلزمه ليس الامر كذلك. لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدا بل قال ذلك افتراء على الله لانه لو كان احدهما حاصلا لم يستوجب الردع عن مقالته كما ترى
وهذا الدليل الذي ابطل به دعوة ابن وائل هذه هو الذي ابطل به بعينه دعوى اليهود انهم لن تمسهم النار الا اياما معدودة. في سورة البقرة وصرح بذلك بالقسم الذي هو الحق
وانهم قالوا ذلك كذبا من غير علم وحذف في البقرة قسم اطلاع الغيب المذكورة في مريم. لدلالة ذكره في مريم على قصده في البقرة كما ان كذبهم الذي صرح به في البقرة لم يصرح به في مريم
لان ما في البقرة يبين ما في مريم لان القرآن العظيم يبين بعضه بعضا. وذلك في قوله تعالى وقالوا لن تمسنا النار الا اياما معدودة. قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده. ام تقولون على الله ما لا
تعلمون الاوصاف هنا هي الاوصاف الثلاثة المذكورة في مريم كما اوضحنا وما حذف منها يدل عليه ذكره في مريم فاتخاذ العهد ذكره في البقرة ومريم معا والكذب في ذلك على الله صرح به في البقرة بقوله ام تقولون على الله ما لا تعلمون
واشار له في مريم بحرف الزجر الذي هو كلا واطلاع الغيب صرح به في مريم وحذفه في البقرة لدلالة ما في مريم على المقصود في البقرة كما اوضحنا ايها المستمع الكريم
بقيت لحديثنا هذا بقية نستكملها في اللقاء القادم ان شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
