يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى الم تر ان ارسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم ازا
قوله ارسلنا الشياطين الاية اي سلطناهم عليهم وقيدناهم لهم وهذا هو الصواب خلافا لمن زعم ان معنى ارسلنا الشياطين الاية اي خلينا بينهم وبينهم ولم نعصمهم من شرهم يقال ارسلت البعير اي خليته
وقوله تؤزهم ازا الاز والهز والاستفزاز بمعنى ومعناها التهييج وشدة الازعاج وقوله تؤزهم ازا اي تهيجهم وتزعجهم الى الكفر والمعاصي واقوال اهل العلم في الاية راجعة الى ما ذكرنا كقول ابن عباس تؤزهم ازى اي تغويهم اغواء. وكقول مجاهد تؤزهم ازا
اشلاء وكقول قتادة تؤزهم ازا اي تزعجهم ازعاجا وما ذكره جل وعلا في هذه الاية الكريمة من انه سلط الشياطين على الكافرين وقيضهم لهم يضلونهم عن الحق بينه في مواضع اخرى من كتابه. كقوله تعالى وقيدنا لهم قرناء
فزينوا لهم ما بين ايديهم وما خلفهم الاية وقوله تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وانهم ليصدونهم عن السبيل الاية قوله تعالى ويوم نحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس
الاية وقوله واخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. الى غير ذلك من الايات قوله تعالى فلا تعجل عليهم انما نعد لهم عدا قوله فلا تعجل عليهم اي لا تستعجل وقوع العذاب بهم
فان الله حدد لهم اجلا معينا معدودا فاذا انتهى ذلك الاجل جاءهم العذاب وقوله انما نعد لهم عدا اي نعد الاعوام والشهور والايام التي دون وقت هلاكهم فاذا جاء الوقت المحدد لذلك اهلكناهم
والعرب تقول عجلت عليه بكذا اذا استعجلته منه وما ذكره جل وعلا في هذه الاية الكريمة من ان هلاك الكفار حدد له اجل معدود ذكره في مواضع كثيرة من كتابه
كقوله تعالى ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار وقوله تعالى يستعجلونك بالعذاب ولولا اجل مسمى لجاءهم العذاب الاية وقوله وما نؤخره الا لاجل معدود
وقوله ولئن اخرنا عنهم العذاب الى امة معدودة ليقولن ما يحبسه وقوله ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون. انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار وقوله تعالى نمتعهم قليلا ثم نضطرهم الى عذاب غليظ
وقوله قال ومن كفر فامتعه قليلا ثم اضره الى عذاب النار. الاية وقوله فمه الكافرين امهلهم رويدا الى غير ذلك من الايات وروي ان المأمون قرأ هذه السورة الكريمة فمر بهذه الاية وعنده جماعة من الفقهاء
فاشار الى ابن السماك الواعظ ان يعظه فقال اذا كانت الانفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما اسرع ما تنفد والاظهر في الاية هو ما ذكرنا من ان العد المذكور عد الاعوام والايام والشهور
من الاجل المحدد وقال بعض اهل العلم هو عد انفاسهم كما اشار اليه ابن السماك في موعظته للمأمون التي ذكرنا ان صح ذلك وعن ابن عباس رضي الله عنهما انه كان اذا قرأها بكى
وقال اخر العدد خروج نفسك. اخر العدد فراق اهلك. اخر العدد دخول قبرك وقال بعض اهل العلم انما نعد لهم عدا اي نعد اعمالهم لنجازيهم عليها قال المؤلف رحمه الله
والظاهر هو ما قدمنا والعلم عند الله تعالى قوله تعالى يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين الى جهنم وردا ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان المتقين الذين كانوا يتقونه في دار الدنيا بامتثال امره واجتناب نهيه
يحشرون اليه يوم القيامة في حال كونهم وفدا والوفد على التحقيق جمع وافد كصاحب وصحب وراكب وركب وقدمنا في سورة النحل ان التحقيق ان الفعل بفتح فالسكون من صيغ جموع الكثرة للفاعل وصفا
وبينا شواهد ذلك من العربية وان اغفله الصرفيون والوافد من يأتي الى الملك مثلا في امر له شأن وجمهور المفسرين على ان معنى قوله وفدا اي ركبانا وبعض العلماء يقول هم ركبان على نجائب من نور من مراكب الدار الاخرة
وبعضهم يقول يحشرون ركبانا على صور من اعمالهم الصالحة في الدنيا في غاية الحسن وطيب الرائحة قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الاية الكريمة قال ابن ابي حاتم حدثنا ابو سعيد الاشد حدثنا ابن خالد عن عمرو ابن قيس الملائي عن ابن مرزوق
يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا قال يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره احسن صورة رآها واطيبها ريحا فيقول من انت؟ فيقول اما تعرفني؟ فيقول لا الا ان الله قد طيب ريحك وحسن وجهك. فيقول انا عملك الصالح
وهكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبا طالما ركبتك في الدنيا فهلم اركبني. فذلك قوله يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا وقال علي ابن ابي طلحة عن ابن عباس يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا قال ركبانا
قال ابن جرير حدثني ابن مثنى حدثني ابن مهدي عن سعيد عن اسماعيل عن رجل عن ابي هريرة يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا قال على الابل وقال ابن جريج على النجائب
وقال الثوري على الابل النوق وقال قتادة يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا قال الى الجنة وقال عبد الله ابن الامام احمد في مسند ابيه حدثنا سويد بن سعيد اخبرنا علي ابن مسهل عن عبدالرحمن ابن اسحاق
حددنا النعمان بن سعيد قال كنا جلوسا عند علي رضي الله عنه. فقرأ هذه الاية يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا قال والله ما على ارجلهم يحشرون. ولا يحشر الوفد على ارجلهم
ولكن بنوق لم يرى الخلائق مثلها عليها رحائل من ذهب ويركبون عليها حتى يضربوا ابواب الجنة. وهكذا رواه ابن ابي حاتم وابن جرير من حديث عبد الرحمن ابن اسحاق المدني به
وزاد عليها رحائل من ذهب وازمتها الزبرجد والباقي مثله وروى ابن ابي حاتم هنا حديثا غريبا جدا مرفوعا عن علي قال حدثنا ابي حدثنا ابو غسان مالك بن اسماعيل النهدي حدثنا سلمة بن جعفر البجلي سمعت ابا معاذ البصري يقول
ان عليا كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الاية يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا فقال ما اظن الوفد الا الركب يا رسول الله
صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده انهم اذا خرجوا من قبورهم يستقبلون او يؤتون بنوق بيض لها اجنحة وعليها رحائل الذهب شركوا نعالهم نور يتلألأ
كل خطوة منها مد البصر وينتهون الى شجرة ينبع من اصلها عينان ويشربون من احداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس ويغتسلون من الاخرى فلا تشعث ابشارهم ولا اشعارهم بعدها ابدا
وتجري عليهم نظرة النعيم وينتهون او فيأتون باب الجنة فاذا حلقة من ياقوت حمراء على صفائح الذهب ويضربون بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين يا علي. فيبلغ كل حوراء ان زوجها قد اقبل
وتبعث قيمها ليفتح له فاذا رآه خر له. قال سلمة اراه قال ساجدا. فيقول ارفع رأسك فانما انا قيمك وكلت بامرك ويتبعه ويقف اثره وتستخف الحوراء العجلة وتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه. الى اخر الحديث بطوله
وفي اخر السياق هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعا وقد رويناه في المقدمات من كلام علي رضي الله عنه وهو اشبه بالصحة. والله اعلم وركوبهم المذكور انما يكون من المحشر الى الجنة. اما من القبر
الظاهر انهم يحشرون مشاة بدليل حديث ابن عباس الدال على انهم يحشرون حفاة عراة غرلا. هذا هو الظاهر وجزم به القرطبي والله تعالى اعلم. ايها المستمع الكريم حسبنا في هذا اللقاء ما مضى ولنا باذن الله جل وعلا
لقاء اخر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
