يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ونسوق المجرمين الى جهنم وردا السوق معروف
والمجرمون جمع تصحيح للمجرم وهو اسم فاعل الاجرام والاجرام ارتكاب الجريمة وهي الذنب الذي يستحق صاحبه به النكال والعذاب ولم يأتي الاجرام في القرآن الا من اجرم الرباعي على وزن افعله
ويجوز اتيانه في اللغة بصيغة الثلاثي فتقول جرم يجرم كضرب يضرب والفاعل منه جارم والمفعول مجروم كما هو ظاهر ومنه قول عمرو النهمي وننصر مولانا ونعلم انه كما الناس مجروم عليه وجارم
وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة وردا اي عطاشة واصل الورد الاتيان الى الماء ولما كان الاتيان الى الماء لا يكون الا من العطش اطلق هنا اسم الورد على الجماعة العطاش
اعاذنا الله والمسلمين من العطش في الدنيا والاخرة ومن اطلاق الورد على المسير الى الماء قول راجس يخاطب ناقته ريدي ردي ورد صماء جذرية اعجبها برد الماء واختلف العلماء في العامل الناصب لقوله يوم نحشر المتقين
فقيل منصوب بيملكون بعده. اي لا يملكون الشفاعة يوم نحشر المتقين واختاره ابو حيانة في البحر وقيل منصوب باذكر او احذر مقدرا وفيه اقوال غير ذلك وهذا الذي تضمنته هذه الاية الكريمة
جاء مبينا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة الزمر وسيق الذين كفروا الى جهنم زمرا حتى اذا جاءوها فتحت ابوابها وقال لهم خزانتها الم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم ايات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا
قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين ادخلوا ابواب جهنم خالدين فيها. فبئس مثوى المتكبرين موسيقى الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا حتى اذا جاءوها وفتحت ابوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم
طبتم فادخلوها خالدين قوله تعالى لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ عند الرحمن عهدا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ان من انواع البيان التي تضمنها ان يكون في الاية وجهان او اوجه من التفسير كلها حق
وكل واحد منها يشهد له قرآن فانا نذكر الجميع وادلته من كتاب الله تعالى لانه كله حق واذا علمت ذلك فاعلم ان هذه الاية الكريمة من ذلك النوع قال بعض اهل العلم
الواو في قوله لا يملكون راجعة الى المجرمين المذكورين في قوله ونسوق المجرمين الى جهنم اي لا يملك المجرمون الشفاعة اي لا يستحقون ان يشفع فيهم شافع يخلصهم مما هم فيه من الهول والعذاب
وهذا الوجه من التفسير تشهد له ايات من كتاب الله كقوله تعالى فما تنفعهم شفاعة الشافعين. وقوله تعالى فما لنا من شافعين ولا صديق حميم وقوله تعالى وانذرهم يوم الازفة
اذ القلوب لدى الحناجر كاظمين. ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع الاية وقوله ولا يشفعون الا لمن ارتضى مع قوله ولا يرضى لعباده الكفر الى غير ذلك من الايات
وهذا الوجه يفهم منه بالاحرى ان المجرمين لا يشفعون في غيرهم لانهم اذا كانوا لا يستحقون ان يشفع فيهم غيرهم لكفرهم وشفاعتهم في غيرهم ممنوعة من باب اولى وعلى كون الواو في لا يملكون
راجعة الى المجرمين فالاستثناء منقطع ومن في محل نصب والمعنى لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا يملكون الشفاعة اي بتمليك الله اياهم واذنه لهم فيها ويملكون الشفاعة بما ذكرنا ويستحق هذه المشفوع لهم
قال تعالى من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه وقال ولا يشفعون الا لمن ارتضى وقال وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا الا من بعد ان يأذن الله لمن يشاء ويرضى
وقال بعض اهل العلم الواو في قوله لا يملكون الشفاعة راجعة الى المتقين والمجرمين جميعا المذكورين في قوله يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين الى جهنم وردا وعليه
الاستثناء في قوله الا من اتخذ عند الرحمن عهدا متصل ومن بدل من الواو في لا يملكون اي لا يملك من جميعهم احد الشفاعة الا من اتخذ عند الرحمن عهدا وهم المؤمنون
والعهد العمل الصالح والقول بانه لا اله الا الله وغيره من الاقوال يدخل في ذلك اي الا المؤمنون. فانهم يشفع بعضهم في بعض كما قال تعالى يومئذ لا تنفع الشفاعة
الا من اذن له الرحمن ورضي له قولا وقد بين تعالى في مواضع اخر ان المعبودات التي يعبدونها من دون الله لا تملك الشفاعة وان من شهد بالحق يملكها باذن الله له في ذلك
وهو قوله تعالى ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة الا من شهد بالحق اي لكن من شهد بالحق يشفع باذن الله له في ذلك وقال تعالى ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون
ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء الاية وقال تعالى ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل اتنبئون الله بما لا يعلم الاية والاحاديث في الشفاعة وانواعها كثيرة معروضة والعلم عند الله تعالى
وفي اعراب جملة لا يملكون وجهان. الاول انها حالية اين سوق المجرمين الى جهنم في حال كونهم لا يملكون الشفاعة او نحشر المتقين ونسوق المجرمين في حال كونهم لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ منهم عند الرحمن عهدا
والثاني انها مستأنفة للاخبار حكاه ابو حيان في البحر ومن اقوال العلماء في العهد المذكور في الاية انه المحافظة على الصلوات الخمس واستدل من قال ذلك بحديث عبادة ابن الصامت
الذي قدمنا الكلام عليه عند قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف الاية وقال بعضهم العهد المذكور هو ان يقول العبد كل صباح ومساء اللهم فاطر السماوات والارض عالم الغيب والشهادة
اني اعهد اليك في هذه الحياة باني اشهد ان لا اله الا انت وحدك لا شريك لك وان محمدا عبدك ورسولك فلا تكلني الى نفسي فانك ان تكلني الى نفسي تباعدني من الخير وتقربني من الشر
واني لا اثق الا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا يوم القيامة. انك لا تخلف الميعاد واذا قال ذلك طبع الله عليها طابعا. ووضعها تحت العرش فاذا كان يوم القيامة نادى مناد اين الذين لهم عند الله عهد
فيقوم فيدخل الجنة. انتهى ذكره القرطبي بهذا اللفظ مرفوعا عن ابن مسعود وذكر صاحب الدر المنثور انه اخرجه ابن ابي شيبة وابن ابي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود موقوفا عليه
وليس فيه قوله فاذا قال ذلك الى اخره وذكر صاحب الدر المنثور ايضا ان الحكيم الترمذي اخرج نحوه مرفوعا عن ابي بكر الصديق رضي الله عنه والظاهر ان المرفوع لا يصح
قال المؤلف رحمه الله والذي يظهر لي ان العهد في الاية يشمل الايمان بالله وامتثال امره واجتناب نهيه خلافا لمن زعم ان العهد في الاية كقول العرب عهد الامير الى فلان بكذا اي امره به
اي لا يشفع الا من امره الله بالشفاعة. فهذا القول ليس صحيحا في المراد بالاية وان كان صحيحا في نفسه قد دلت على صحته ايات من كتاب الله لقوله تعالى من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه
وقوله وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا الا من بعد ان يأذن الله لمن يشاء ويرضى وقوله ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن اذن له وقوله يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من اذن له الرحمن الاية
وقوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا الايات قد تكلمنا عليها وعلى الايات التي بمعناها في القرآن في مواضع متعددة فاغنى ذلك عن اعادتها هنا بهذا ايها المستمع الكريم نأتي على نهاية هذا اللقاء املين ان يتجدد بنا وبكم اللقاء وانتم على خير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
