يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى انا قد اوحي الينا ان العذاب على من كذب وتولى
ما ذكره جل وعلا في هذه الاية الكريمة عن موسى وهارون ان الله اوحى اليهما ان العذاب على من كذب وتولى اشير الى نحوه في ايات كثيرة من كتاب الله تعالى
لقوله فاما من طغى واثر الحياة الدنيا فان الجحيم هي المأوى وقوله تعالى فانذرتكم نارا تلظى لا يصلاها الا الاشقى الذي كذب وتولى وقوله تعالى فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى
ثم ذهب الى اهله اولى لك فاولى ثم اولى لك فاولى الى غير ذلك من الايات قوله تعالى قال فمن ربكما يا موسى؟ قال ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى
ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان موسى وهارون لما بلغ فرعون ما امر بتبليغه اياه قال لهما من ربكما الذي تزعمان انه ارسلكما الي دائما انه لا يعرفه
وانه لا يعلم لهما الها غير نفسه كما قال ما علمت لكم من اله غيري وقال لان اتخذت الها غيري لاجعلنك من المسجونين وبين جل وعلا في غير هذا الموضع
ان قوله من ربكما تجاهل عارف بانه عبد مربوب لرب العالمين وذلك في قوله تعالى قال لقد علمت ما انزل هؤلاء الا رب السماوات والارض بصائر الاية وقوله فلما جاءتهم اياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين
وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا كما تقدم ايضاحه سؤال فرعون عن رب موسى وجواب موسى له جاء موضحا في سورة الشعراء بابسط مما هنا وذلك في قوله قال فرعون وما رب العالمين؟ قال رب السماوات والارض وما بينهما ان كنتم موقنين
قال لمن حوله الا تستمعون؟ قال ربكم ورب ابائكم الاولين قال ان رسولكم الذي ارسل اليكم لمجنون. قال رب المشرق والمغرب وما بينهما ان كنتم تعقلون قال لان اتخذت الها غيري لاجعلنك من المسجونين
قال اولو جئتك بشيء مبين قال فاتي به ان كنت من الصادقين. فالقى عصاه فاذا هي ثعبان مبين ونزع يده فاذا هي بيضاء للناظرين. الى اخر القصة وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة قال ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى
فيه للعلماء اوجه لا يكذب بعضها بعضا وكلها حق ولا مانع من شمول الاية لجميعها منها ان معنى اعطى كل شيء خلقه ثم هدى انه اعطى كل شيء نظير خلقه في الصورة والهيئة
كالذكور من بني ادم اعطاهم نظير خلقهم من الاناث ازواجا وكالذكور من البهائم اعطاها نظير خلقها في صورتها وهيئتها من الاناث ازواجا فلم يعطي الانسان خلاف خلقه فيزوجه بالاناث من البهائم
ولا البهائم بالاناث من الانس ثم هدى الجميع لطريق المنكح الذي منه النسل والنماء. كيف يأتيه وهذا الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب وغير ذلك وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما
من طريق علي ابن ابي طلحة وعن السدي وسعيد بن جبير وعن ابن عباس ايضا ثم هدى اي هداه الى الالفة والاجتماع والمناكحة وقال بعض اهل العلم اعطى كل شيء خلقه ثم هدى
اي اعطى كل شيء صلاحه ثم هداه الى ما يصلحه وهذا مروي عن الحسن وقتادة وقال بعض اهل العلم اعطى كل شيء خلقه ثم هدى اي اعطى كل شيء صورته المناسبة له
ولم يجعل الانسان في صورة البهيمة ولا البهيمة في صورة الانسان ولكنه خلق كل شيء على الشكل المناسب له وقدره تقديرا كما قال الشاعر وله في كل شيء خلقة وكذاك الله ما شاء فعل
ويعني بالخلقة الصورة وهذا القول مروي عن مجاهد ومقاتل وسعيد بن جبير ثم هدى كل صنف الى رزقه والى زوجه وقال بعض اهل العلم اعطى كل شيء خلقه اي اعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به
كما اعطى العين الهيئة التي تطابق الابصار والاذن الشكل الذي يوافق الاستماع وكذلك الانف والرجل واللسان وغيرها كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه وهذا القول
روي عن الضحاك وعلى جميع هذه الاقوال المذكورة وقوله تعالى كل شيء هو المفعول الاول لاعطى وخلقه هو المفعول الثاني وقال بعض اهل العلم ان خلقه هو المفعول الاول وكل شيء هو المفعول الثاني
وعلى هذا القول فالمعنى انه تعالى اعطى الخلائق كل شيء يحتاجون اليه ثم هداهم الى طريق استعماله ومعلوم ان المفعول من مفعولي باب كسى ومنه اعطى في الاية لا مانع من تأخيره وتقديم المفعول الاخير ان امن اللبس
ولم يحصل ما يوجب الجري على الاصل كما هو معلوم في علم النحو واشار له في الخلاصة بقوله ويلزم الاصل لموجب عرى وترك ذاك الاصل حتما قد يرى قال مقيده عفا الله عنه
ولا مانع من شمول الاية الكريمة لجميع الاقوال المذكورة لانه لا شك ان الله اعطى الخلائق كل شيء يحتاجون اليه في الدنيا ثم هداهم الى طريق الانتفاع به ولا شك انه اعطى كل صنف شكله وصورته المناسبة له
واعطى كل ذكر وانثى الشكل المناسب له من جنسه. في المناكحة والالفة والاجتماع واعطى كل عضو شكله الملائم للمنفعة المنوطة به فسبحانه جل وعلا ما اعظم شأنه واكمل قدرته وفي هذه الاشياء المذكورة في معنى هذه الاية الكريمة
براهين قاطعة على انه جل وعلا رب كل شيء وهو المعبود وحده جل وعلا. لا اله الا هو كل شيء هالك الا وجهه له الحكم واليه ترجعون وقد حرر العلامة الشيخ تقي الدين
ابو العباس ابن تيمية رحمه الله في رسالته في علوم القرآن ان مثل هذا الاختلاف من اختلاف السلف في معاني الايات ليس اختلافا حقيقيا متضادا يكذب بعضه بعضا ولكنه اختلاف تنوعي
لا يكذب بعضه بعضا والايات تشمل جميعها فينبغي حملها على شمول ذلك كله واوضح ان ذلك هو الجاري على اصول الائمة الاربعة رضي الله عنهم وعزاه لجماعة من خيار اهل المذاهب الاربعة
والعلم عند الله تعالى وبهذه الاشارة المنقولة عن شيخ الاسلام رحمه الله تكون نهاية حلقتنا هذه ولنا ان شاء الله حلقة قادمة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
