يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم. ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا
ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة انهم يسألونه عن الجبال وامره ان يقول لهم ان ربي ينسفها نسفا وذلك بان يقلعها من اصولها ثم يجعلها كالرمل المتهايل الذي يسيل
وكالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا واعلم انه جل وعلا بين الاحوال التي تصير اليها الجبال يوم القيامة في ايات من كتابه تبين انه ينزعها من اماكنها ويحملها فيدكها دكا
وذلك في قوله فاذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة ثم بين انه يسيرها في الهواء بين السماء والارض وذلك في قوله ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الارض الا من شاء الله
وكل اتوه داخلين وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب. صنع الله الذي اتقن كل شيء انه خبير بما تفعلون وقوله ويوم نسير الجبال وترى الارض بارزة الاية وقوله واذا الجبال سيرت
وقوله تعالى وسيرت الجبال فكانت سرابا وقوله تعالى يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا ثم بين انه يفتها ويدقها كقوله وبست الجبال بسا اي فتت حتى صارت كالبسيسة وهي دقيق ملتوت بسمن او نحوه على القول بذلك
وقوله وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة ثم بين انه يصيرها كالرمل المتهايل. وكالعهن المنفوش وذلك في قوله يوم ترجف الارض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا وقوله تعالى يوم تكون السماء كالمهل
وتكون الجبال كالعهن المعارج والقارعة والعهن الصوف المصبوغ ومنه قول زهير بن ابي سلمى في معلقته كأن فتات العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم ثم بين انها تصير كالهباء المنبث
بقوله وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا ثم بين انها تصير سرابا وذلك في قوله وسيرت الجبال فكانت سرابا وقد بين في موضع اخر ان السراب لا شيء وذلك في قوله
حتى اذا جاءه لم يجده شيئا وبين انه ينسفها نسفا في قوله هنا ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا قال المؤلف اجزل الله مثوبته وجمعنا به في مستقر رحمته
تنبيه جرت العادة في القرآن ان الله اذا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم يسألونك قال له قل بغير فاء كقوله يسألونك عن الروح قل الروح الاية. وقوله يسألونك عن الخمر والميسر
قل فيهما اثم كبير. الاية وقوله ويسألونك ماذا ينفقون؟ قل ما انفقتم من خير الاية وقوله يسألونك ماذا احل لهم؟ قل احل لكم الطيبات. الاية وقوله يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه
القتال فيه كبير. الى غير ذلك من الايات اما في اية طه هذه وقال فيها فقل ينسفها بالفاء وقد اجاب القرطبي رحمه الله عن هذا في تفسير هذه الاية بما نصه
ويسألونك عن الجبال اي عن حال الجبال يوم القيامة فقل جاء هذا بفاء وكل سؤال في القرآن قل بغير فاء الا هذا لان المعنى ان سألوك عن الجبال فقل وتضمن الكلام معنى الشرط
وقد علم الله انهم يسألونه عنها فاجابهم قبل السؤال وتلك اسئلة تقدمت سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال فلذلك كان بغير فاء وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد
فتفهمه انتهى منه قال المؤلف رحمه الله وما ذكره يحتاج الى دليل والعلم عند الله تعالى قوله تعالى فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا امتاع الضمير في قوله فيذرها فيه وجهان معروفان عند العلماء
احدهما انه راجع الى الارض وان لم يجري لها ذكر ونظير هذا في هذه الاية قوله تعالى ما ترك على ظهرها من دابة وقوله ما ترك عليها من دابة الضمير فيه مراجع الى الارض ولم يجري لها ذكر
وقد بينا شواهد ذلك من العربية والقرآن بايضاح في سورة النحل. فاغنى ذلك عن اعادته هنا والثاني انه راجع الى منابت الجبال التي هي مراكزها ومقارها لانها مفهومة من ذكر الجبال
والمعنى فيذر مواضعها التي كانت مستقرة فيها من الارض قاعا صفصفا والقاع المستوي من الارض وقيل مستنقع الماء والصفصف المستوي الاملس الذي لا نبات فيه ولا ماء فانه على صف واحد في استوائه
وانشد لذلك سيبويه قول الاعشى وكم دون بيتك من صفصف ودكداك رمل واعقادها ومنه قول الاخر وملمومة شهباء لو قذفوا بها شماريخ من رضوى اذا عاد صفصفا وقوله لا ترى فيها عوجا ولا امتا
اي لعوجاج فيها ولا امت والامت النتوء اليسير اي ليس فيها اعوجاج ولا ارتفاع بعضها على بعض بل هي مستوية ومن اطلاق الامن بالمعنى المذكور قول لبيد فجرا مزت ثم سارت وهي لاهية
في كافر ما به امتن ولا شرف القول الاخر فابصرت لمحة من رأس عكرشة في كافر ما به امتن ولا عوج والكافر في البيتين قيل الليل وقيل المطر لانه يمنع العين من رؤية الارتفاع والانحدار في الارض
وقال الزمخشري في تفسير هذه الاية الكريمة فان قلت قد فرقوا بين العوج والعوج فقالوا العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الاعيان والارض عين فكيف صح فيها المكسور العين
قلت اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الارض بالاستواء والملاسة ونفي الاعوجاج عنها على ابلغ ما يكون وذلك انك لو عمدت الى قطعة ارض فسويتها وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة
واتفقتم على انه لم يبقى فيها اعوجاج قط ثم استطلعت رأي المهندس فيها وامرته ان يعرض استوائها على المقاييس الهندسية لعثر فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر
ولكن بالقياس الهندسي فنفى الله عز وجل ذلك العوج الذي دق ولطف عن الادراك اللهم الا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة وذلك لاعوجاج لما لم يدرك الا بالقياس دون الاحساس
لحق بالمعاني فقيل فيه عوج بالكسر والامت النتوء اليسير يقال مد حبله حتى ما فيه امت انتهى منه وقد قدمنا في اول سورة الكهف ما يغني عن هذا الكلام الذي ذكره
والعلم عند الله تعالى ايها المستمع الكريم حسبنا في هذا اللقاء ما مضى ولنا باذن الله لقاء اخر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
