يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له
وخشعت الاصوات للرحمن فلا تسمع الا همسا قوله يومئذ اي يوم اذ نسفت الجبال يتبعون الداعي والداعي هو الملك الذي يدعوهم الى الحضور للحساب قال بعض اهل العلم يناديهم ايتها العظام النخرة والاوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة
قومي الى ربك للحساب والجزاء ويسمعون الصوت ويتبعونه ومعنى لا عوج له اي لا يحيدون عنه ولا يميلون يمينا ولا شمالا وقيل لا عوج لدعاء الملك عن احد اي لا يعدل بدعائه عن احد
بل يدعوهم جميعا وما ذكره جل وعلا في هذه الاية الكريمة من اتباعهم للداعي للحساب وعدم عدولهم عنه بينه في غير هذا الموضع وزاد انهم يسرعون اليه لقوله تعالى فتولى عنهم يوم يدعو الداعي الى شيء نكر
خش عن ابصارهم يخرجون من الاجداد كانهم جراد منتشر مهطعين الى الداعي. يقول الكافرون هذا يوم عسر والاهطاء الاسراع وقوله تعالى واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج
وقوله تعالى يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده. الاية الى غير ذلك من الايات وقوله تعالى في هذه الاية الكريمة وخشعت الاصوات للرحمن اي خفضت وخفتت وسكنت هيبة لله واجلالا وخوفا فلا تسمعوا في ذلك اليوم صوتا عاليا
بل لا تسمع الا همسا اي صوتا خفيا خافتا من شدة الخوف او الا همسا اي الا صوت خفق الاقدام ونقلها الى المحشر والهمس يطلق في اللغة على الخفاء يشمل خفض الصوت
وصوت الاقدام بصوت اخفاف الابل في الارض التي فيها يابس النبات ومنه قول راجس وهن يمشين بنا هميسا. البيت وما ذكره جل وعلا هنا اشار له في غير هذا الموضع
كقوله رب السماوات والارض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون الا من اذن له الرحمن وقال صوابا وقوله هنا يومئذ لا تنفع الشفاعة. الاية
قد قدمنا الايات الموضحة لذلك في مريم وغيرها فاغنى ذلك عن اعادته هنا قوله تعالى وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما قوله عنت اي ذلت وخضعت يقول العرب
انا يعنو عنوا وعناء اذا ذل وخضع وخشع ومنه قيل للاسير عان  ومنه قول امية ابن ابي الصلت الثقفي مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعلو الوجوه وتسجد وقوله ايضا
وعنى له وجهي وخلقي كله في الساجدين لوجهه مشكورا واعلم ان العلماء اختلفوا في هذه الاية الكريمة وقال بعضهم المراد بالوجوه التي ذلت وخشعت للحي القيوم وجوه العصاة خاصة وذلك يوم القيامة
واسند الذل والخشوع لوجوههم لان الوجه تظهر فيه اثار الذل والخشوع ومما يدل على هذا المعنى من الايات القرآنية قوله تعالى فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا. الاية وقوله ووجوه يومئذ باسرة تظن ان يفعل بها فاقرة
وقوله تعالى وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية وعلى هذا القول اقتصر الزمخشري واستدل له ببعض الايات المذكورة وقال بعض العلماء وعانت الوجوه اي ذلت وخضعت وجوه المؤمنين لله في دار الدنيا
وذلك بالسجود والركوع وظاهر القرآن يدل على ان المراد الذل والخضوع لله يوم القيامة لان السياق في يوم القيامة وكل الخلائق تظهر عليهم في ذلك اليوم علامات الذل والخضوع لله جل وعلا
وقوله في هذه الاية وقد خاب من حمل ظلما قال بعض العلماء اي خسر من حمل شركا وتدل لهذا القول الايات القرآنية الدالة على تسمية الشرك ظلما كقوله ان الشرك لظلم عظيم
وقوله والكافرون هم الظالمون وقوله ولا تدعو من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فان فعلت فانك اذا من الظالمين وقوله الذين امنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم الاية الى غير ذلك من الايات
والاظهر ان الظلم في قوله وقد خاب من حمل ظلما يعم الشرك وغيره من المعاصي وخيبة كل ظالم بقدر ما حمل من الظلم والعلم عند الله تعالى وقوله في هذه الاية الكريمة للحي القيوم
الحي المتصف بالحياة الذي لا يموت ابدا والقيوم صيغة مبالغة لانه جل وعلا هو القائم بتدبير شؤون جميع الخلق وهو القائم على كل نفس بما كسبت وقيل القيوم الدائم الذي لا يزول
قوله تعالى ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ذكر جل وعلا في هذه الاية الكريمة ان من يعمل من الصالحات وهو مؤمن بربه فانه لا يخاف ظلما ولا هضما
وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤتي من لدنه اجرا عظيما وقوله ان الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس انفسهم يظلمون
قوله تعالى ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك احدا الى غير ذلك من الايات كما قدمنا ذلك وفرق بعض اهل العلم بين الظلم والهضم بان الظلم المنع من الحق كله
والهضم النقص والمنع من بعض الحق فكل هضم ظلم ولا ينعكس ومن اطلاق الهضم على ما ذكر قول المتوكل الليثي ان الاذلة واللئام لمعشر مولاهم المتهضم المظلوم المتهضم اسم مفعول تهضمه
ايه ده! احتضنه في بعض حقوقه وظلمه فيها وقرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عاد ابن كثير فلا يخاف بضم الفاء وبالف بعد الخاء مرفوعا ولا نافية. اي فهو لا يخاف
او فانه لا يخاف وقرأه ابن كثير فلا يخف بالجزم من غير الف بعد الخاء. وعليه فلا ناهية جازمة للمضارع وقول القرطبي في تفسيره انه على قراءة ابن كثير مجزوم لانه جواب لقوله ومن يعمل
غلط منه رحمه الله لان الفاء في قوله فلا يخاف مانعة من ذلك والتحقيق هو ما ذكرنا من ان لا ناهية على قراءة ابن كثير والجملة الطلبية جزاء الشرط ويلزم اقترانها بالفاء
لانها لا تصلح فعلا للشرط كما قدمناه مرارا بهذا التنبيه من المؤلف رحمه الله تكون نهاية لقائنا على امل اللقاء بكم مستقبلا ان شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
