يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قوله تعالى وكذلك انزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد الاية
قد قدمنا الايات الموضحة له في سورة الكهف فاغنى ذلك عن اعادته هنا قوله تعالى ولا تعجل بالقرآن من قبل ان يقضى اليك وحيه وقل ربي زدني علما كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا جاءه جبريل بالوحي
كلما قال جبريل اية قالها معه صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على حفظ القرآن فارشده الله في هذه الاية الى ما ينبغي فنهاه عن العجلة بقراءة القرآن مع جبريل
بل امره ان ينصت لقراءة جبريل حتى ينتهي ثم يقرأه هو بعد ذلك فان الله ييسر له حفظه وهذا المعنى المشار اليه في هذه الاية اوضحه الله في غير هذا الموضع
كقوله في القيامة لا تحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه وقرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ثمان علينا بيانه وقال البخاري في صحيحه حدثنا موسى بن اسماعيل قال حدثنا ابو عوانة. قال حدثنا موسى ابن ابي عائشة
قال حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه
فقال ابن عباس فانا احركهما لكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما وقال سعيد انا احركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما وحرك شفتيه فانزل الله تعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به
ان علينا جمعه وقرآنه قال جمعه لك في صدرك ونقرأه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه قال فاستمع له وانصت ثم ان علينا بيانه ثم علينا ان نقرأه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك
اذا اتاه جبريل استمع فاذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه  قوله تعالى ولقد عهدنا الى ادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما قوله ولقد عهدنا الى ادم
اي اوصيناه الا يقرب تلك الشجرة وهذا العهد الى ادم الذي اجمله هنا بينه في غير هذا الموضع كقوله في سورة البقرة وقلنا يا ادم اسكن انت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما. ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين
وقوله ولا تقربا هذه الشجرة هو عهده الى ادم المذكور هنا وقوله في الاعراف ويا ادم اسكن انت وزوجك الجنة وكلها من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين
وقوله تعالى فنسي فيه للعلماء وجهان معروفان احدهما ان المراد بالنسيان الترك ولا ينافي كون الترك عمدا والعرب تطلق النسيان وتريد به الترك ولو عمدا ومنه قوله تعالى قال كذلك اتتك اياتنا فنسيتها
وكذلك اليوم تنسى المراد في هذه الاية الترك قصدا وكقوله تعالى فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا باياتنا يجحدون وقوله تعالى فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا
انا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون وقوله تعالى ولا تكونوا كالذين نسوا الله فانساهم انفسهم اولئك هم الفاسقون وقوله تعالى وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار. وما لكم من ناصرين
وعلى هذا فمعنى قوله فنسي اي ترك الوفاء بالعهد وخالف ما امره الله به من ترك الاكل من تلك الشجرة لان النهي عن الشيء يستلزم الامر بضده والوجه الثاني هو ان المراد بالنسيان في الاية
النسيان الذي هو ضد الذكر لان ابليس لما اقسم له بالله انه له ناصح فيما دعاه اليه من الاكل من الشجرة التي نهاه ربه عنها غره وخدعه بذلك حتى انساه العهد المذكور
كما يشير اليه قوله تعالى وقاسمهما اني لك ما لمن الناصحين. فدلاهما بغرور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال انما سمي الانسان لانه عهد اليه فنسي رواه عنه ابن ابي حاتم
انتهى ولقد قال بعض الشعراء وما سمي الانسان الا لنسيه ولا القلب الا انه يتقلب اما على القول الاول فلا اشكال في قوله وعصا ادم ربه فغوى واما على الثاني ففيه اشكال معروف
لان الناس هي معذور فكيف يقال فيه وعصى ادم ربه فغوى قال المؤلف رحمه الله واظهر اوجه الجواب عندي عن ذلك ان ادم لم يكن معذورا بالنسيان وقد بينت في كتابي دفع ايهام الاضطراب عن ايات الكتاب
الادلة الدالة على ان العذر بالنسيان والخطأ والاكراه من خصائص هذه الامة كقوله هنا فنسي مع قوله وعصى فاسند اليه النسيان والعصيان ودل على انه غير معذور بالنسيان ومما يدل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وابي هريرة
ان النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا قال الله نعم قد فعلت فلو كان ذلك معفوا عن جميع الامم لما كان لذكره على سبيل الامتنان وتعظيم المنة عظيم موقع
ويستأنس لذلك بقوله كما حملته على الذين من قبلنا ويؤيد ذلك حديث ان الله تجاوز لي عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وقوله تجاوز لي عن امتي يدل على الاختصاص بامته
وليس مفهوم لقب لان مناط التجاوز عن ذلك هو ما خصه الله به من التفضيل على غيره من الرسل والحديث المذكور وان اعله الامام احمد وابن ابي حاتم فله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة
ولم يزل علماء الامة قديما وحديثا يتلقونه بالقبول ومن الادلة على ذلك حديث طارق بن شهاب المشهور الذي دخل النار في ذباب قربه مع انه مكره وصاحبه الذي امتنع من تقريب شيء للصنم ولو ذبابا قتلوه
فدل ذلك على ان الذي قربه مكره لانه لو لم يقرب لقتلوه كما قتلوا صاحبه ومع هذا دخل النار فلم يكن اكراهه عذرا ومن الادلة على ذلك قوله تعالى عن اصحاب الكهف
انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم او يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا اذا ابدا فقوله يرجموكم او يعيدوكم في ملتهم دليل على الاكراه وقوله ولن تفلحوا اذا ابدا دليل على عدم العذر بذلك الاكراه
كما اوضحنا ذلك في غير هذا الموضع واعلم ان في شرعنا ما يدل على نوع من التكليف بذلك في الجملة لقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة. الاية فتحرير الرقبة هنا كفارة لذلك القتل خطأ
والكفارة تشعر بوجود الذنب في الجملة كما يشير الى ذلك قوله في كفارة القتل خطأ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله. وكان الله عليما حكيما فجعل صوم الشهرين
بدلا من العتق عند العجز عنه وقوله بعد ذلك توبة من الله يدل على ان هناك مؤاخذة في الجملة بذلك الخطأ مع قوله وليس عليكم جناح فيما اخطأتم به وما قدمنا من حديث مسلم
ان النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا قال الله نعم قد فعلت فالمؤاخذة التي هي الاثم مرفوعة والكفارة المذكورة قال بعض اهل العلم هي بسبب التقصير في التحفظ
والحذر من وقوع الخطأ والنسيان والله جل وعلا اعلم ايها المستمع الكريم سوف نستكمل بقية تفسير الاية في لقائنا القادم ان شاء الله والى ذلك الحين نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
