يسر مشروع كبار العلماء بالكويت ان يقدموا لكم هذه المادة بسم الله الرحمن الرحيم ايها المستمع الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في هذه الحلقة نكمل حديثنا الماضي في اللقاء السابق
قال المؤلف رحمه الله تنبيه اخذ بعض العلماء من هذه الاية الكريمة وجوب نفقة الزوجة على زوجها لان الله لما قال ان هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة بخطاب شامل لادم وحواء
ثم خص ادم بالشقاء دونها في قوله فتشقى دل ذلك على انه هو المكلف بالكد عليها وتحصيل لوازم الحياة الضرورية لها من مطعم ومشرب وملبس ومسكن قال ابو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الاية الكريمة ما نصه
وانما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيا ليعلمنا ان نفقة الزوجة على الزوج فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الازواج فلما كانت نفقة حواء على ادم كذلك نفقات بناتها على بني ادم بحق الزوجية
واعلمنا في هذه الاية ان النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الاربعة الطعام والشراب والكسوة والمسكن فاذا اعطاها هذه الاربعة فقد خرج اليها من نفقتها فان تفضل بعد ذلك فهو مأجور
فاما هذه الاربعة فلابد لها منها لان بها اقامة المهجة انتهى منه وذكر في قصة ادم انه لما اهبط الى الارض اهبط اليه ثور احمر وحبات من الجنة كان يحرث على ذلك الثور
ويمسح العرق عن جبينه وذلك من الشقاء المذكور في الاية الظاهر ان الذي في هذه الاية الكريمة من البديع المعنوي اصطلاح البلاغيين هو ما يسمى مراعاة النظير ويسمى التناسب والائتلاف والتوفيق والتلفيق
فهذه كلها اسماء لهذا النوع من البديع المعنوي وضابطه انه جمع امر وما يناسبه لا بالتضاد لقوله تعالى الشمس والقمر بحسبان فان الشمس والقمر متناسبان لا بالتضاد وكقول البحتري يصف الابل الامضاء المهازيل او الرماح
شلقسي المعطفات بل الاسهم مبرية الاوتار وبين الاسهم والقسي المعطفات والاوتار مناسبة في الرقة وان كان بعضها ارق من بعض وهي مناسبة لا بالتضاد وكقول ابن رشير اصح واقوى ما سمعناه في الندى
من الخبر المأثور منذ قديم احاديث ترويها السيول عن الحياة عن البحر عن كف الامير تميم وقد ناسب بين الصحة والقوة والسماع والخبر المأثور والاحاديث والرواية وكذا ناسب بين السيل والحياء وهو المطر
والبحر وكف الامير تميم وكقول اسيد بن عنقاء الفزاري كأن الثريا علقت في جبينه وفي خده الشعرى وفي وجهه البدر وقد لا سب بين الثريا والشعر والبدر كما ناسب بين الجبين
والوجنة والوجه وامثلة هذا النوع كثيرة معروفة في فن البلاغة واذا علمت هذا فاعلم انه جل وعلا ناسب في هذه الاية الكريمة في قوله ان لك الا تجوع فيها ولا تعرى
بين نفي الجوع المتضمن لنفي الحرارة الباطنية والالم الباطني الوجداني وبين نفي العري المتضمن لنفي الالم الظاهري من اذى الحر والبرد وهي مناسبة لا بالتضاد كما انه تعالى ناسب في قوله وانك لا تظمأ فيها ولا تضحى
بيننا في الظمأ المتضمن لنفي الالم الباطني الوجداني الذي يسببه الظمأ وبين نفي الضحى المتضمن لنفي الالم الظاهري الذي يسببه حر الشمس ونحوه كما هو واضح بما ذكرنا تعلم ان قول من قال ان في الاية المذكورة ما يسمع قطع النظير عن النظير
وان الغرض من قطع النظير عن النظير المزعوم تحقيق تعداد هذه النعم وتكفيرها لانه لو قرن النظير بنظيره لاوهم ان المعدودات نعمة واحدة ولهذا قطع الظمأ عن الجوع والضحو عن الكسوة
مع ما بين ذلك من التناسب كله كلام لا حاجة له بظهور المناسبة بين المذكورات في الاية كما اوضحنا والعلم عند الله تعالى قوله تعالى فوسوس اليه الشيطان قال يا ادم هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى
الوسوسة والوسواس الصوت الخفي ويقال لهمس الصائد والكلاب وصوت الحلي وسواس والوسواس بكسر الواو الاولى مصدر وبفتحها الاسم وهو ايضا من اسماء الشيطان كما في قوله تعالى من شر الوسواس الخناس
ويقال لحديث النفس وسواس ووسوسة ومن اطلاق الوسواس على صوت الحلي قول الاعشاء تسمع للحلي وسواسا اذا انصرفت كما استعان بريح اشرق زجلوا ومن اطلاقه على همس الصائد قول ذي الرمة
فبات ويسهره تذأب الريح والوسواس والهضب وقول رؤبة وسوس يدعو مخلصا رب الفلق سرا وقد اول تأويل العقق في الزرب لو يمضغ شربا ما بصق واذا علمت ذلك فاعلم ان قوله تعالى في هذه الاية الكريمة
ووسوس اليه الشيطان اي كلمه كلاما خفيا فسمعه منه ادم وفهمه والدليل على ان الوسوسة المذكورة في هذه الاية الكريمة كلام من ابليس سمعه ادم وفهمه انه فسر الوسوسة في هذه الاية بانها قول
وذلك في قوله فوسوس اليه الشيطان قال يا ادم هل ادلك على شجرة الخلد الاية فالقول المذكور هو الوسوسة المذكورة وقد اوضح هذا في سورة الاعراف وبين انه وسوس الى حواء ايضا مع ادم
وذلك في قوله فوسوس لهما الشيطان الى قوله وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين. فدلاهما بغرور بان تصريحه تعالى في اية الاعراف هذه بان ابليس قاسمهما اي حلف لهما على انه ناصح لهما فيما ادعاه من الكذب
دليل واضح على ان الوسوسة المذكورة كلام مسموع واعلم ان في وسوسة الشيطان الى ادم اشكالا معروفا وهو ان يقال ابليس قد اخرج من الجنة صاغرا مذموما مدحورا فكيف امكنه الرجوع الى الجنة
حتى وسوس لادم والمفسرون يذكرون في ذلك قصة حية وانه دخل فيها فادخلته الجنة. والملائكة الموكلون بها لا يشعرون بذلك وكل ذلك من الاسرائيليات والواقع انه لا اشكال في ذلك
بامكان ان يقف ابليس خارج الجنة قريبا من طرفها بحيث يسمع ادم كلامه وهو في الجنة وامكاني ان يدخله الله اياها لامتحان ادم وزوجه لا لكرامة ابليس فلا محال عقلا في شيء من ذلك
والقرآن قد جاء بان ابليس كلم ادم وحلف له حتى غره وزوجه بذلك وقوله في هذه الاية الكريمة على شجرة الخلد اضاف الشجرة الى الخلد وهو الخلود لان من اكل منها يكون في زعمه الكاذب خالدا لا يموت ولا يزول
وكذلك يكون له في زعمه ملك لا يبلى اي لا يفنى ولا ينقطع وقد قدمنا ان قوله هنا وملك لا يبلى يدل لمعنى قراءة من قرأ الا ان تكونا ملكين بكسر اللام
وقوله او تكون من الخالدين هو معنى قوله في طه هل ادلك على شجرة الخلد والحاصل ان ابليس لعنه الله كان من جملة ما وسوس به الى ادم وحواء انهما ان اكلا من الشجرة
التي نهاهم الله عنها نال الخلود والملك وصار ملكين وحلف لهما انه ناصح لهما في ذلك يريد لهما الخلود والبقاء والملك فدلاهما بغرور وفي القصة ان ادم لما سمعه يحلف بالله اعتقد من شدة تعظيمه لله
انه لا يمكن ان يحلف به احد على الكذب فانساه ذلك العهد بالنهي عن الشجرة ايها المستمع الكريم لم تزل لهذا الحديث بقية قد منع منها انتهاء وقت اللقاء ونحن نأمل ان نلتقي ان شاء الله
سنتمها والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
